
التقى سفير السودان لدى جمهورية جيبوتي السفير محمد سعيد حسن بالأمين التنفيذي لمنظمة إيقاد د. ورقني قبيهو اللقاء يعد تدشيناً رسمياً لعودة البلاد لمنظمة إيقاد، حيث قوبل باهتمام إعلامي كبير.
واستعرض السفير محمد سعيد مع ورقني تطورات المشهد بالبلاد والتأمين على العمل المشترك لمعالجتها.
عودة البلاد للمنظمة الإقليمية الإفريقية بعد ثلاث سنوات رسم تساؤلات ولعل أبرزها كيفية الاستفادة منها؟ وهل يمكن أن تلعب إيقاد دورًا أكبر لا سيما وأن هنالك انتقادات كثيفة لها، وكذلك الاتحاد الإفريقي عن ضعف استيعابهم لأزمة البلاد؟.
التوازن
وفي فبراير الجاري أعلن السودان عودته لمنظمة إيقاد بعد قرابة الثلاثة أعوام وهو ما وصفه مراقبون بالتحول المهم.
ويرى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. عمار العركي بأنّ قرار عودة السودان إلى منظمة الإيقاد يمثل محطة سياسية ودبلوماسية مهمة، إذ إنّه يعبر عن تحول في أدوات التعاطي الدبلوماسي السوداني مع الإقليم، وانتقال من سياسة الاحتجاج بالمقاطعة إلى سياسة الاشتباك الدبلوماسي من الداخل.
وأضاف العركي في معرض التعليق بأنّ البلاد سبق وأن اتخذت قرار تعليق عضويتها في الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) احتجاجاً على الانحياز الواضح للميليشيا وعدم الاعتبار والاحترام للشرعية والسيادة السودانية من قبل المنظمة وعدد من دولها الأعضاء، سواءً عبر مواقف سياسية متماهية أو عبر استضافة أنشطة ومنصات الميليشيا وحلفائها السياسيون المحليون في قحت/ صمود/ تأسيس، مما منحها وضعًا أقرب إلى الفاعل السياسي منه إلى الطرف المتمرّد.
ويواصل العركي بأنّ القرار آنذاك كان تعبيراً عن موقف سيادي ورسالة احتجاج قوية ضد تجاوز مبدأ احترام الدولة الوطنية ومؤسساتها،وبالتالي، فإنّ قرار العودة لا يعني تراجعاً عن تلك التحفّظات، بل يكشف عن نضج في قراءة المشهد الإقليمي، فالدبلوماسية السودانية، رغم ما واجهته من ضغوط ومحاولات عزل، أبدت قدراً ملحوظاً من المرونة والتعاطي العقلاني مع الإيقاد، انطلاقاً من إدراك أن الفراغ في المنظمات الإقليمية لا يبقى شاغرًا، وأن الغياب يفتح الباب أمام أطراف أخرى لإعادة صياغة السردية السياسية حول الأزمة السودانية دون حضور الخرطوم أو دفاعها عن شرعيتها.
واعتبر د. عمار بأنّ قرار العودة جاء في توقيت دقيق، في ظل حراك إقليمي ودولي متسارع حول مستقبل السودان، فترك مقعد السودان خاليًا داخل الإيقاد كان يعني عمليًا إتاحة المجال لتمرير تصورات أو مبادرات قد لا تراعي ثوابت الدولة السودانية، أو قد تُضفي شرعية غير مباشرة على أطراف لا تستند إلى سند دستوري أو شعبي. ومن هنا، فإن “ملء الفراغ” لم يكن تكتيكاً دبلوماسياً فحسب، بل خياراً استراتيجياً لحماية الرواية الرسمية ومنع إعادة هندسة الأزمة خارج الإرادة الوطنية.
ويضيف العركي بأنّ القرار يحمل رسالة مزدوجة: من جهة، يؤكد تمسّك السودان بعمقه الإقليمي وحرصه على عدم القطيعة مع محيطه في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا؛ ومن جهة أخرى، يضع الإيقاد أمام اختبار جديد يتعلق بمدى التزامها بمبدأ الحياد المؤسسي واحترام سيادة الدول الأعضاء. فالسودان عاد دون أن تتراجع بعض الدول الأعضاء عن مواقفها الداعمة للميليشيا، لكنه عاد وهو أكثر وعيًا بأهمية إدارة التوازنات بدل تركها تتشكل في غيابه. كما يمكن أيضًا قراءة الخطوة باعتبارها جزءًا من إعادة تموضع أوسع في السياسة الخارجية السودانية، يقوم على تنويع المسارات وعدم الارتهان لمنصة واحدة.
وأوضح العركي بأن المطلوب من (إيقاد) التزامٌ واضح وعملي بمبدأ سيادة الدولة السودانية، وتحييد منصاتها عن أي منحٍ لوضعٍ سياسي موازٍ لمليشيا مسلحة، مع إعادة ضبط آلية الوساطة بما يضمن التوازن المؤسسي وعدم احتكارها من أطراف معادية للشرعية والسيادية السودانية.
أما ضغط الخرطوم في هذا الاتجاه فلا يكون بالصدام، بل بالحضور الفاعل من الداخل، وبناء تحالفات داخل المنظمة، وتعطيل أي مسارات لا تراعي ثوابتها، وربط التعاون الأمني والإقليمي بمدى احترام المنظمة لالتزاماتها، مع إبقاء البدائل الأفريقية والعربية مفتوحة حتى لا يُحتكر ملف السودان في منصة واحدة. هكذا تتحول العودة إلى الإيقاد من خطوة دفاعية إلى أداة توازن، ووضع المنظمة أمام امتحان الحياد والمصداقية.
هذا وحضر الاجتماع السكرتير التنفيذي لإيغاد مرحبا د. ورقني قبيهو ونائبه محمد واري الي جانب المدير المالي إيغاد اونياري فيما كان من الجانب السوداني السفير محمد سعيد حسن ونائبه د. بابكر عبدالله والمستشار الفني عمر عصام والملحق العسكري اللواء علاء الدين عبدالله .
حضور مؤسسي
وكان رئيس الوزراء د. كامل إدريس قد زار جيبوتي في خواتيم يناير الماضي في رحلة مهمة كان لها دور كبير عبر بوابة العودة لإيقاد.
ويقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي إنّ عودة السودان إلى الهيئة الحكومية للتنمية (الإيقاد) أصبحت واقعاً إجرائياً يتشكل بهدوء داخل الإقليم، حتى وإن تأخر الإعلان الرسمي من المنظمة والخرطوم.
ويواصل شقلاوي بأنّ هذه الخطوة تعكس انتقالاً محسوباً من مرحلة الاحتجاج والغياب إلى مرحلة إعادة النظر في المنظمة وما هو مرجو منها بالنسبة للسودان، في لحظة إقليمية تتسم بتعقّد التوازنات وتزايد الحاجة إلى منصات تنسيق جماعي. فالسودان، بحكم الجغرافيا والثقل، يدرك أن البقاء خارج الأطر الإقليمية يحدّ من قدرته على التأثير في مسارات تُصاغ أحيانًا في غيابه.
وبحسب د. إبراهيم فإنّ المؤشر الأهم في هذا التطوّر لا يكمن في العودة ذاتها، بل في السياق الذي رافقها،فقد جاءت بعد حراك دبلوماسي نشط وزيارة رسمية إلى جيبوتي، تزامنت مع صدور موقف من الإيقاد أدان جرائم ميليشيا الدعم السريع وأكد دعم وحدة السودان وسيادته.
وزاد محدّثي بأنّ هذا التطور يوحي بأنّ الخرطوم تسعى إلى تحويل المنظمة من ساحة ضغط محتملة إلى منصة توازن يمكن عبرها إعادة ضبط السردية الإقليمية، وتثبيت الاعتراف بمؤسسات الدولة الوطنية، وبناء شبكة تفاهمات تقلل من مخاطر المبادرات التي تتشكل خارج إرادتها.
ولكن الكاتب الصحفي والمحلل السياسي إبراهيم شقلاوي يرى بأنّ قدرة السودان على توظيف منصة الإيقاد تظل رهينة بمدى فاعلية حضوره داخل هياكلها، وبقدرته على إدارة علاقاته مع العواصم المؤثّرة، وفي مقدمتها جيبوتي بقيادة إسماعيل عمر جيلي بوصفه الرئيس الدوري، بجانب أنه يعتبر صديق للسودان. فالمنظمة، في جوهرها العملي، ليست كيانًا محايدًا تمامًا، بل فضاء توازنات بين الدول الأعضاء، كما أنها معنية بدعم الأعضاء في عدد من المجالات السياسية والتنموية. ومن ثمّ، فإن أي مكسب سياسي أو إجرائي سيتوقف على دبلوماسية نشطة، وتحالفات مدروسة، وربطٍ محكم بين الأداء الإقليمي والواقع الميداني داخل السودان.
ويشير شقلاوي إلى أنّ تحول العودة إلى الإيقاد من خطوة دبلوماسية إلى رافعة استراتيجية، فإنّ البلاد تحتاج لأجندة تفاوضية واضحة، وحضور مؤسسي دائم داخل أجهزة المنظمة، وتحرك دبلوماسي يبني كتل دعم ويحيّد بؤر الضغط، مع توظيف الأدوات الفنية للإيقاد في ملفات الأمن والحدود والإنذار المبكر والتنمية المتوازنة. عندها فقط يمكن أن تصبح العودة قيمة مضافة حقيقية، لا مجرد استئناف عضوية، بل استعادة مدروسة لموقع السودان في معادلة الإقليم.
المصدر | صحيفة الكرامة





