مقالات

رمضان.. وعي المستهلك أم شهيته؟

د. هيثم حسن عبدالسلام يكتب | مهد الحروف

في رمضان تتبدل العادات، وتزدحم الموائد، وتتسارع وتيرة الشراء، حتى يصبح سلوك المستهلك جزءاً من مشهد تعبدي واجتماعي واقتصادي متكامل. غير أن الصوم الذي يُهذِّب النفس، قد يختبر وعينا حين نندفع نحو الأسواق قبيل الإفطار، أو نتساهل في حفظ الطعام وتداوله، أو نُغفل قواعد السلامة تحت ضغط الوقت والعزومات. هنا تتجلى أهمية ما أقرّته منظمة الصحة العالمية من ،،المفاتيح الخمسة

لسلامة الأغذية،، ليس بوصفها إرشادات صحية فحسب، إنما باعتبارها سلوكاً استهلاكياً مسؤولاً في رمضان وسائر الأيام.
أول المفاتيح: حافظ على نظافتك. في ساعات الصيام الطويلة قد يتعجل البعض إعداد الطعام دفعة واحدة قبيل الأذان، فتكثر الملامسات وتتقاطع الأيدي والأدوات. غسل اليدين قبل إعداد الطعام وبعد استخدام المرحاض، وتطهير

الأسطح وألواح التقطيع، وحماية المطبخ من الحشرات؛ ليست تفاصيل شكلية. الجراثيم، وإن كانت غير مرئية، تنتقل بأدنى تماس، وقد تتحول مائدة الإفطار إلى مصدر عدوى عابرة لأسرة كاملة. سلوك النظافة هنا يعكس احترامنا لحق الأسرة في غذاء آمن، ويعكس أيضاً وعياً استهلاكياً لا ينفصل عن قيم الصوم.

المفتاح الثاني: افصل بين النيئ والمطبوخ. في رمضان تزداد أصناف اللحوم والدواجن والمأكولات البحرية، ويكثر إعداد السلطات والمقبلات في آنٍ واحد. اختلاط عصارات اللحوم النيئة بالأطعمة الجاهزة كفيل بنقل جراثيم خطرة. تخصيص سكاكين وألواح تقطيع منفصلة، وحفظ الأطعمة في أوعية محكمة، سلوك بسيط لكنه يحول دون (تلوث تبادلي) قد يفسد فرحة الإفطار. فالمستهلك الواعي يُحسن إدارة ما اشترى، ولا يشتري بكثرة فحسب.

المفتاح الثالث: اطبخ الطعام جيداً. التهاون في نضج اللحم أو إعادة تسخين بقايا الأمس تسخيناً غير كافٍ، من أكثر الأخطاء شيوعاً في المواسم. تؤكد الدراسات أن بلوغ درجة 70°م يقتل معظم الجراثيم الخطرة، وأن اختفاء اللون الوردي من عصارات اللحوم مؤشر مهم، والأدق استخدام ميزان حرارة للطعام (ودي نقلة نوعية كبيرة نتمنى نصلها). في ليالي رمضان العامرة قد تتكرر إعادة التسخين، وهنا يتعين أن يكون التسخين كاملاً لا شكلياً، حمايةً للصائم بعد يوم مشقة.

المفتاح الرابع: حافظ على درجة حرارة مأمونة. لا يُترك الطعام في درجة الغرفة أكثر من ساعتين، ويُحفظ المبرد تحت 5°م، ويُبقى الساخن فوق 60°م حتى التقديم. كثيراً ما تمتد جلسات الإفطار والسمر، فيبقى الطعام مكشوفاً أو خارج التبريد زمناً طويلاً، فتجد الجراثيم بيئة مثالية للتكاثر. كما أن إذابة الأغذية المجمدة على طاولة المطبخ خطأ شائع؛ والصواب إذابتها في الثلاجة أو بوسائل مأمونة. إدارة الحرارة جزء من إدارة المخاطر.

المفتاح الخامس: استعمل مياه ومواد مأمونة. اختيار مياه صالحة للشرب، وأغذية طازجة، وحليب مبستر، والالتزام بتاريخ الصلاحية، وغسل الخضروات والفواكه خاصة ما يؤكل نيئاً؛ كلها قرارات شراء يومية تعكس مسؤولية المستهلك. في رمضان قد تُغري العروض والأسعار المخفضة البعض بشراء كميات تفوق الحاجة أو منتجات قاربت انتهاء صلاحيتها. هنا يتقدم الوعي على الاندفاع، ويغلب معيار السلامة على منطق الوفرة.

إن ربط هذه المفاتيح بسلوك المستهلك يعني أن السلامة لا تبدأ في المطبخ فقط، بل من لحظة القرار في السوق: قراءة البطاقة، التحقق من التخزين، اختيار البائع الموثوق، ونقل المشتريات في زمن مناسب. كما تعني أن ثقافة (الاستهلاك الرشيد) تكمل ثقافة «الغذاء الآمن»؛ فالإفراط في الشراء يهدر النعمة ويزيد من تداول الطعام وإعادة تسخينه وتخزينه، بما يرفع احتمالات الخطأ.

رمضان مدرسة انضباط، وسلامة الغذاء أحد وجوه هذا الانضباط. وحين تتحول المفاتيح الخمسة إلى عادات راسخة في بيوتنا، فإن أثرها يمتد إلى سائر الأيام، فنحمي صحتنا، ونحفظ مواردنا، ونؤسس لمجتمع يدرك أن حق المستهلك في غذاء آمن مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند المؤسسة. هكذا يكون الصوم سلوكاً… وتكون المائدة أماناً.

# حفظكم الرحمن ومن تحبون.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى