رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان(4 من 29): قيام الليل… إعادة بناء الروح من الداخل
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

إذا كان الصيام يضبط الظاهر ويهذّب الجسد بإيقاعٍ من الانضباط، فإن قيام الليل يبني الباطن ويعيد ترتيب الداخل الإنساني. فهناك فرق بين إنسانٍ يمسك عن الطعام، وإنسانٍ يقف في سكون الليل يعيد صياغة قلبه.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾
و”ناشئة الليل” في أصلها اللغوي ما ينشأ ويحدث في الليل بعد سكونه؛ أي القيام الذي يقومه العبد من نومه، أو الساعات المتأخرة التي يصفو فيها الجو ويجتمع القلب. فهي اللحظة التي يولد فيها الحضور من جديد، حين يهدأ الخارج فينشأ الداخل. وقد قال المفسرون: هي أشد مواطأةً بين القلب واللسان، وأجمع حضورًا، وأثبت أثرًا في النفس.
فالليل بطبيعته أقل تشتيتًا، وأقرب إلى صفاء التركيز. في النهار تتوزع الانتباهات، وتتشعب المطالب، أما في الليل فيجتمع القلب على معنى واحد.
قيام الليل ليس زيادة عدد ركعات، بل زيادة حضور. ليس سباق أرقام، بل عمق اتصال. أن تقف فتقرأ آية فتشعر أنها تخاطبك أنت. أن تردد دعاء فتدرك أنك تطرق بابًا لا يُغلق. أن تسجد فتستشعر معنى قوله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».
ولذلك كان النبي ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». إنها علاقة شكر قبل أن تكون علاقة خوف، وعلاقة حب قبل أن تكون عادة.
وقد قال الحسن البصري: “ما علمت شيئًا أشد على النفس من قيام الليل”. لأن النفس تميل إلى الراحة، بينما قيام الليل يدرّبها على مجاهدة هادئة. وذكر ابن القيم أن قيام الليل من أعظم أسباب صفاء القلب وثبات الإيمان، وأنه يورث نورًا في الوجه، وقوة في القلب، وبركة في الرزق.
في قيام الليل تُعاد هندسة الروح — على سبيل المجاز البلاغي — إذ يحتاج الإنسان إلى لحظة خلوة يعيد فيها ترتيب أفكاره، وتقويم مساره، وتصحيح نواياه. الليل مساحة لا يراك فيها أحد، لكنك ترى نفسك بوضوح غير معتاد.
ومن منظور إنساني عام، فإن لحظات السكون العميق تمنح النفس فرصة لالتقاط أنفاسها، وإعادة ترتيب أولوياتها، وتخفيف وطأة الضغوط. غير أن قيام الليل يتجاوز هذا البعد النفسي إلى بعدٍ إيماني أعمق: إنه تجديد للعهد مع الله، واستعادة للبوصلة حين تميل.
في السجود تتضاءل تضخيمات النفس، لا لأن المشكلات أوهام، بل لأن القلب يرى الأمور في سياقها الصحيح. تتبدل الزوايا، ويشعر الإنسان أن هناك قوةً أعظم تدبّر الأمر كله. وهذا الشعور ليس هروبًا من الواقع، بل تمكينًا من مواجهته بثباتٍ وطمأنينة.
الروح إذا لم تُغذَّ ذبلت، وإذا لم تُروَ جفّت. وقيام الليل ماء الروح.
إن طال انقطاعه قسا القلب دون أن يشعر صاحبه،
وإن عاد إليه عاد إليه شيءٌ كان يظنه ضاع.
قيام الليل ليس للأبطال وحدهم، بل لكل من أراد أن يعيد ضبط نفسه. ركعتان خاشعتان قد تغيّران اتجاه حياة. دعوة صادقة قد تفتح بابًا كان موصدًا. دمعة في ظلمة الليل قد تغسل تراكمات عامٍ كامل.
وكان السلف يعدّون فوات قيام الليل خسارة لا تعوّض، لأنهم أدركوا أن البناء الحقيقي يبدأ من خلوة صادقة لا يطّلع عليها إلا الله.
إن بناء الإنسان لا يكتمل بالانضباط الظاهري وحده، بل يحتاج إلى عمق روحي يغذّيه، وإلى لحظات يعيد فيها ترتيب الداخل قبل أن يطالب بإصلاح الخارج.
فهل يكون ليلنا امتدادًا لضجيج النهار، أم يصبح معملًا هادئًا لإعادة بناء الروح؟





