مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان(15 من 29): ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

العدل ليس خيارًا أخلاقيًا يُمارس حين يناسبنا، بل مبدأ إلهي ثابت لا يتغير بتغير الأشخاص ولا الظروف. وحين يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ۖ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

فإن الخطاب لا يقتصر على القضاة وحدهم، بل يشمل كل من تولّى شأنًا من شؤون الناس، صغيرًا كان أو كبيرًا.
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في ردّ مفاتيح الكعبة إلى صاحبها يوم فتح مكة، لكنها جاءت بصيغة عامة لتكون قاعدة دائمة في الحكم بين الناس. قال الإمام الطبري: إن الأمر بالعدل في الحكم بين الناس عامٌّ لكل من ولي أمرًا من أمورهم. وقال ابن كثير: هي أمرٌ من الله بالحكم بالعدل بين الناس جميعًا. وبيّن ابن عاشور أن الآية أصل عظيم في وجوب العدل في جميع الولايات والأحكام.

والعدل يبدأ من داخل النفس؛ لأن أول ما يفسد الميزان ميل القلب وهوى النفس. ولهذا قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
فالعادل الحق هو الذي لا يحمله حب ولا بغض على الانحراف عن ميزان الحق.
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾

وأصعب العدل ما كان على النفس؛ أن يعترف الإنسان بخطئه، وأن ينصف من خالفه، وأن يقر بحق من لا يميل إليه.
وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ:
«إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن… الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلّوا»
(رواه مسلم).

فالعدل لا يقتصر على ساحات القضاء، بل يمتد إلى البيت، والعمل، والعلاقات اليومية.
وقد يمنح الظلم قوة مؤقتة، لكنه يزرع في المجتمع بذور الاضطراب. أما العدل – وإن كان مكلفًا في لحظته – فإنه يبني استقرارًا طويل الأمد. ولهذا قال بعض الحكماء: بالعدل تقوم الدول، ولو كانت غير مؤمنة، وبالظلم تسقط الدول، ولو كانت مؤمنة.

وفي رمضان يتدرّب الإنسان على كبح انفعاله وضبط ردوده وتأجيل أحكامه، وهذه كلها مقدمات للعدل؛ لأن العادل لا يحكم وهو منقاد لغضبه أو هواه.
كما تشير دراسات علم الاجتماع الحديثة إلى أن الشعور بالعدالة داخل المجتمع يرتبط ارتباطًا مباشرًا بارتفاع مستوى الثقة والاستقرار والرضا العام. فالعدل ليس قيمة مثالية فحسب، بل ضرورة لسلامة المجتمعات.
والعدل كذلك توازن في نظر الإنسان إلى نفسه؛ فلا يضخم فضائله، ولا يهون من أخطائه، ولا يرى نفسه دائمًا على حق والآخر دائمًا على باطل.

إن بناء الإنسان لا يكتمل إلا بميزان داخلي مستقيم، فإذا استقام ميزان الفرد استقام ميزان الجماعة.
ورمضان فرصة لإعادة ضبط هذا الميزان؛ أن نزن كلماتنا قبل أن ننطقها، وأحكامنا قبل أن نطلقها، ومواقفنا قبل أن نتحيز فيها.
فهل نمارس العدل حين يكون في صالحنا فقط، أم نجعله مبدأ ثابتًا نحمل تبعته مهما كانت الكلفة؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى