رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (9 من 29): القرآن ومنهج التفكير المنضبط
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

ليس القرآن كتاب وعظٍ فحسب، ولا كتاب أحكامٍ مجردة، بل هو كتاب منهج. منهج في النظر، ومنهج في الحكم، ومنهج في ترتيب الأولويات. ومن قرأ القرآن طالبًا الطريقة قبل المعلومة، أدرك من مقاصده ما لا يُدرك بالاكتفاء بالتلاوة.
القرآن لا يخاطب العاطفة وحدها، بل يستنهض العقل مرارًا:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾
إنه يطالب بالدليل، ويستدعي البرهان، ويرفض الاتباع الأعمى:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾
فيأتي الرد القرآني بالتقويم والنقد، لا بالاستسلام للعادة.
التفكير في القرآن ليس حرية فوضوية، ولا انغلاقًا جامدًا، بل نظرٌ منضبط بقواعد. فهو يعلّمنا أن نحكم بالعدل، وأن نسمع قبل أن نحكم، وأن نزن الأقوال بميزان القسط:
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾
﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾
المنهج القرآني يجمع بين العقل والوحي، فلا يُعطِّل أحدهما الآخر. فالعقل أداة فهم، والوحي مصدر هداية. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية في تقريره لعلاقة العقل بالنقل أن “صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول”، وأن ما يُتوهم من تعارض إنما ينشأ من ضعف الفهم أو من نقل غير ثابت. فالعقل في ميزان الإسلام ليس خصمًا للوحي، بل آلة لفهمه، والوحي ليس قيدًا على العقل، بل هداية له.
ومن خصائص التفكير المنضبط في القرآن أنه لا يجزئ الصورة، بل يربط السبب بالنتيجة، والفعل بالأثر، والحاضر بالمستقبل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
إنها ليست توجيهًا وجدانيًا فحسب، بل سنّة تغيير مطّردة.
كما يحرر القرآن العقل من ضغط الأكثرية، فيقول:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾
فالحق لا يُقاس بعدد الأتباع، بل بميزان الدليل، ولا يُعرف بالانتشار، بل بالبرهان.
وفي زمن تتدفق فيه الآراء عبر الشاشات بلا تمحيص، يصبح المنهج القرآني في التفكير ضرورة لا ترفًا. أن نسأل: ما الدليل؟ ما السياق؟ ما المآل؟ لا أن ننجرف خلف العاطفة أو الضجيج.
وقد دعا القرآن إلى التثبت فقال:
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾
ونهى عن اتباع الظن فقال:
﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾
رمضان، شهر القرآن، ليس موسم تلاوةٍ مباركةٍ على عِظَمِ أجرها فحسب، بل موسم استعادة المنهج. أن نقرأ فنفهم، وأن نفهم فنحكم، وأن نحكم فنعدل.
إن بناء الإنسان لا يقوم على كثرة المعلومات، بل على سلامة المنهج. والمنهج القرآني يمنح الإنسان بوصلة، فلا يتيه في كثرة الطرق.
فهل يكون تعاملنا مع القرآن تبركًا عابرًا، أم التزامًا بمنهج يُنضج التفكير ويُهذِّب القرار؟




