مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (7 من 29): ﴿اقرأ﴾…

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

الكلمة التي أعادت تشكيل الوعي لم تكن أول كلمة نزلت من السماء أمرًا بالقتال، ولا نداءً بالتشريع، بل كانت كلمة واحدة تختصر منهج البناء كله: ﴿اقرأ﴾.
اختيار هذه الكلمة في لحظة البدء لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل تأسيسًا. فالوحي بدأ بإقامة الإنسان على الوعي قبل الحركة، وعلى الفهم قبل الفعل، وعلى العلم قبل العمران.
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
لم تأتِ القراءة مطلقة، بل مقيّدة بالاسم الإلهي. فالمعرفة في التصور القرآني ليست تراكم معلومات، ولا انفصالًا عن القيم، بل إدراكًا موصولًا بالمصدر، منضبطًا بالبوصلة.

فالقراءة التي تنفصل عن المعنى قد تُنتج قوة، لكنها لا تُنتج هداية. أما القراءة “باسم ربك” فهي التي تجمع بين الفهم والمسؤولية، وبين العلم والاتجاه.
الإنسان لا يُبنى بالنية الصالحة وحدها، ولا بالحماسة المجردة، بل ببصيرة تهديه. كم من طاقة صادقة أضلتها قلة العلم، وكم من مشروع تعثر لأنه افتقد الرؤية.
رمضان، شهر القرآن، هو موسم إحياء “اقرأ” في حياتنا. ليس المقصود تلاوة الحروف فحسب، بل قراءة النفس بصدق، وقراءة الواقع بوعي، وقراءة السنن التي تحكم العمران. قراءة تغيّر زاوية النظر قبل أن تغيّر ظاهر السلوك.

قال الإمام مالك رحمه الله: «العلم نور يقذفه الله في القلب». فالعلم في ميزان الإسلام ليس ضجيجًا فكريًا، بل بصيرة تهدي. والنور لا يحتاج إلى صخب، بل يُبدِّد الظلمة في هدوء، ويُرسِّخ اليقين بثبات. وكانت ﴿اقرأ﴾ إيذانًا بإشعال هذا النور في مسار الإنسان.
في زمن تتدفق فيه المعلومات بلا انقطاع، يصبح التمييز أصعب من الوصول. فالقراءة لم تعد أزمة كمية، بل أزمة معيار. ولهذا جاء القيد: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، أي بميزانٍ يُهذّب المعرفة ويوجّهها، لا بتيه الهوى أو ضجيج اللحظة.

وقد بيّنت أبحاث معاصرة أن التعلم المستمر يعيد تشكيل الدماغ ويعزز المرونة العقلية. غير أن القرآن لا يطلب معرفة تقنية فحسب، بل معرفة تُصلح الداخل وتوجّه الخارج، وتربط بين الإدراك والعمل.
الأمة التي بدأ وحيها بكلمة “اقرأ” حُملت مسؤولية أن تكون أمة وعي قبل أن تكون أمة عدد، وأمة إنتاج قبل أن تكون أمة استهلاك. غير أن الأمة ليست كيانًا مجردًا، بل مجموع وعي أفرادها. ولهذا فإن كل مشروع جماعي يبدأ بقرار فردي: إنسان يختار أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يتعلم قبل أن يتصدر.

القراءة في رمضان ليست نشاطًا ثقافيًا عابرًا، بل عبادة. فكل حرف من القرآن يُتلى به أجر، وكل معنى يُفهم يُبنى به وعي، وكل تدبر صادق يُصحح به مسار.

﴿اقرأ﴾ ليست كلمة في الماضي، بل نداء مستمر. اقرأ كتاب ربك، واقرأ نفسك بصدق، واقرأ واقعك بوعي. فمن جمع بين هذه القراءات الثلاث، اقترب من معادلة البناء المتوازن.
إن بناء الإنسان يبدأ بكلمة، لكنها ليست أي كلمة. إنها كلمة وضعت حجر الأساس لمنهجٍ يهدي البشرية حين نزلت، ولا تزال قادرة على أن تكون مفتاح نهضة متى أُحييت في القلوب والعقول.
فالسؤال ليس: هل نقرأ؟
بل: كيف نقرأ، وبأي ميزان، ولأي غاية؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى