مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (3 من 29): كسر سلطان الشهوة… بداية التحرر

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

ليست الحرية أن تفعل ما تشاء، بل أن تملك القدرة على أن تختار ما يرضي الله. تلك هي المعادلة التي يعيد رمضان ترسيخها في أعماق الإنسان. فالصيام في جوهره ليس جوعًا، بل تدريبٌ عملي على ألا تكون أسير رغبتك.

الشهوة قوة أودعها الله في الإنسان لحكمة العمران؛ فهي ليست شرًّا في أصلها، وإنما الخلل في انفلاتها. شهوة الطعام تحفظ الجسد، لكن الإفراط يفسده. وشهوة المال تدفع إلى الكسب، لكن الطغيان يفسد الضمير. وشهوة الغضب تحمي الكرامة، لكن الانفجار يحرق العلاقات. ومن هنا كان الصيام إعادةً لوضع الشهوة في موضعها الصحيح: قوة تُدار، لا سلطان يُطاع.

قال الله تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾.
فالهوى إذا تُرك بلا ضابط قاد إلى الانحدار، وإذا وُجّه بضابط قاد إلى الارتقاء.
حين يمتنع الصائم عن المباحات – طعامًا وشرابًا وعلاقةً زوجية – يتعلم عمليًا أنه قادر على ضبط ما هو أشد. فإذا قدر على ترك الحلال زمنًا طاعةً لله، كان أقدر على ترك الحرام دائمًا تقوىً لله. هنا تبدأ معركة التحرر الحقيقية: تحرير الإرادة من التبعية اللحظية.

وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فالقوة ليست في البطش، بل في السيطرة؛ ليست في الاستجابة الفورية، بل في القدرة على الكبح حين يلزم الكبح.
وتشير دراسات سلوكية معاصرة إلى أن القدرة على تأجيل الرغبة تعزز النجاح طويل المدى، إذ تمنح الإنسان وضوحًا في الرؤية وقدرة على تغليب المقاصد الكبرى على الدوافع اللحظية. وهذه حقيقة مارسها الصائم قرونًا قبل أن تُصاغ في مصطلحات علم النفس.

في أيام الصيام، يكتشف الإنسان أن الجوع لا يهزمه، وأن العطش لا يسقطه، وأن الرغبة ليست قدرًا محتومًا. فيُعاد تشكيل صورته عن نفسه: ليس عبد عاداته، بل قادر على قيادتها.
ومن لطائف العلماء أن النفس إذا أُطلقت طغت، وإذا هُذبت استقامت. ورمضان ليس تجويعًا عبثيًا، بل تهذيبٌ مقصود يعيد التوازن ولا يقتل الفطرة.

وحين يُروَّض الدافع، وتُهذَّب الرغبة، لا يفقد الإنسان شيئًا من إنسانيته، بل يستردّ مركز قيادته. فالصيام ليس صراعًا مع الجسد، ولا إعلان حرب على الفطرة، بل إعادة ترتيب لموازين الداخل؛ حتى لا تبقى الإرادة أسيرة اللحظة، ولا يظل القرار تابعًا لنزوة عابرة.

هناك، في عمق التجربة، يتحول الامتناع المؤقت إلى وعي دائم، ويتبدل معنى الحرية من إطلاق الشهوة إلى ضبطها، ومن الاستجابة الفورية إلى الاختيار الواعي.
إنه انتقالٌ من الخضوع للهوى إلى شرف الاستجابة للخالق، ومن التبعية للنفس إلى قيادةٍ تستمد معاييرها من شرع الله.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى