مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (20 من 29): التكافل… هندسة الرحمة في المجتمع

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

لا يقوم المجتمع المتماسك على القوة وحدها، ولا على القوانين المجردة، بل على روح خفية تربط أفراده بعضهم ببعض. وهذه الروح في التصور الإسلامي اسمها التكافل.
فالتكافل ليس إحسانًا عابرًا، ولا مبادرة خير فردية فحسب، بل مبدأ حضاري يجعل المجتمع شبكة متساندة لا أفرادًا متجاورين.
قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.

وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية تؤسس لقاعدة عامة في حياة المجتمع. قال الإمام الطبري: أمر الله المؤمنين أن يعين بعضهم بعضًا على طاعة الله والخير. وبيّن ابن عاشور أن هذه الآية تقيم مبدأ التعاون الاجتماعي الذي يحفظ توازن المجتمع.
وقد جسد النبي ﷺ هذا المعنى بأبلغ تصوير حين قال:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»
(رواه مسلم).

فالمجتمع في الرؤية النبوية ليس مجرد مجموع أفراد، بل كيان حي يتأثر بعضه ببعض.
وقال أيضًا ﷺ:
«ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه»
(رواه الطبراني وحسنه بعض أهل العلم).
فحاجة الفقير ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل اختبار أخلاقي لضمير المجتمع.
وقد مدح القرآن أعلى درجات التكافل حين قال:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.

فهذه مرتبة يتجاوز فيها الإنسان مجرد العدل إلى الإيثار.
وفي رمضان يزداد حضور هذا المعنى. تكثر موائد الإفطار، وتتحرك الصدقات، ويشعر الناس بقيمة أن يخفف بعضهم عن بعض. غير أن روح التكافل التي يتعلمها المسلم في هذا الشهر ينبغي أن تتحول إلى منهج دائم لا إلى موسم عابر.
وقد أشارت دراسات علم الاجتماع الحديثة إلى أن المجتمعات التي تتمتع بروابط تضامن قوية تكون أكثر استقرارًا وأقل عرضة للاضطرابات. لكن الإسلام سبق إلى ترسيخ هذا المعنى حين جعل التكافل عبادة يؤجر عليها الإنسان.

فالزكاة نظام، والصدقة مبادرة، والإحسان خُلُق، والتكافل هو الروح التي تجمع هذه المعاني في نسيج واحد.
إن المجتمع الذي يسود فيه التكافل لا يترك ضعيفه يسقط، ولا يترك حاجته تتحول إلى يأس. لأن القوة الحقيقية للمجتمعات ليست في ثروتها وحدها، بل في قدرتها على أن يحمل بعضها بعضًا.

رمضان يذكرنا أن الإنسان لا يعيش وحده، وأن الخير حين يتدفق بين الناس يتحول المجتمع كله إلى مساحة رحمة.
فهل يبقى التكافل عندنا لحظة موسمية في شهر رمضان، أم يتحول إلى ثقافة دائمة تبني المجتمع وتحفظ توازنه؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى