مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (12 من 29): الصيام وقوة الإرادة… ماذا تقول علوم الدماغ؟

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

ليست الإرادة كلمة إنشائية تُقال في الخطب، بل قدرة داخلية قابلة للتدريب، تقوى بالممارسة وتضعف بالإهمال. والصيام أحد أعظم ميادين هذا التدريب العملي.
قال الله تعالى في بيان مقصد الصيام:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
والتقوى في جوهرها ضبط للنفس، وكبح للاندفاع، ووعي بالحضور الإلهي قبل الفعل.
حين يمتنع الإنسان عن الطعام والشراب ساعات طويلة وهو قادر عليهما، فإنه لا يمارس حرمانًا قسريًا، بل يمارس ضبطًا اختياريًا. وهذا الفرق هو جوهر بناء الإرادة.
قال النبي ﷺ:
«الصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل…».

فالصوم وقاية من المعصية، لكنه أيضًا تدريب يومي على كبح الاندفاع، لا في الطعام فحسب، بل في الكلام والغضب وردود الأفعال.
وفي علم الأعصاب، تشير دراسات متعددة إلى أن تدريب النفس على تأجيل الإشباع يرتبط بنشاط القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط السلوك. وكلما اعتاد الإنسان مقاومة الدافع اللحظي، تعززت قدرته على التحكم في اختياراته.

وفي علم النفس عُرف هذا المبدأ بـ “تأجيل الإشباع”. وقد أظهرت أبحاث متتابعة وجود ارتباط بين القدرة على تأجيل الرغبة وبعض مؤشرات الاستقرار والنجاح لاحقًا في الحياة. والصيام يمارس هذا المعنى بصورة متكررة ومنظمة، لكنه يضيف إليه بعدًا إيمانيًا عميقًا.
فالامتناع في الصيام ليس لأجل الصحة فقط، ولا لمجرد التدريب العصبي، بل طاعة لله. وهذا المعنى القيمي يعمّق أثر التدريب؛ إذ تتحول الإرادة من مجرد مهارة نفسية إلى عبادة مقصودة.

قال ابن القيم رحمه الله:
“النفس كالطفل إن تهمله شبّ على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم.”
فالتعويد هو سرّ التزكية، والتكرار هو مفتاح التغيير.
حين يجوع الصائم ثم يؤذن المغرب، لا يندفع اندفاعًا فوضويًا، بل ينتظر لحظة محددة. هذه اللحظة الصغيرة تعلّمه أن الرغبة يمكن تنظيمها، وأن التوقيت جزء من الانضباط.

والإرادة لا تُبنى في المواقف العظمى فقط، بل في التفاصيل اليومية:
أن تكفّ لسانك وأنت غاضب،
أن تؤجل ردًّا وأنت قادر على إرساله فورًا،
أن تغضّ بصرك لحظة تستطيع فيها النظر.
هذه تمارين إرادة مستمرة.
وقد بينت دراسات حديثة أن ارتفاع مستوى ضبط النفس يرتبط بانخفاض معدلات القلق وتحسن العلاقات الاجتماعية. فالإنسان الذي يملك زمام نفسه لا يكون أسير تقلباته.

والصيام لا يدعو إلى قمع الغريزة قمعًا مرضيًا، بل إلى تهذيبها. فالإسلام لا يقتل الفطرة، بل يضبطها. ولا يلغي الشهوة، بل يضعها في موضعها الصحيح.
ومع تكرار هذا التدريب يومًا بعد يوم طوال شهر كامل، تتشكل عادة جديدة: عادة التروي، وعادة التفكير قبل الفعل، وعادة استحضار العاقبة.

إن بناء الإنسان لا يقوم على المعرفة وحدها، بل على القدرة على تنفيذ ما يعرف. وكم من حقائق نعلمها، لكننا نعجز عن تطبيقها لضعف الإرادة.
رمضان فرصة سنوية لإعادة شحن هذه القوة الخفية. فإذا خرج الإنسان من الشهر وهو أقدر على ضبط نفسه، فقد اقترب من مقصود الصيام.
فهل يكون صيامنا جوعًا عابرًا، أم تدريبًا عميقًا على امتلاك زمام النفس؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى