رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (10 من 29): العلم والإيمان… تلازم وتكامل
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

جاء الإسلام ليؤلف بين العقل والقلب، ويجعل العلم والإيمان نورين متآزرين في بناء الإنسان. فإذا اجتمعا استقام المسار، وإذا افترقا اختل الميزان.
العلم في جوهره طلبُ معرفةٍ صادقة، والإيمان في حقيقته تصديقٌ واعٍ للحق بعد ظهوره. فلا تعارض بين مسارٍ يكشف سنن الكون، وقلبٍ يدرك أن لهذه السنن مُنشئًا ومدبرًا.
ولهذا دعا القرآن إلى النظر في الكون، لا لمجرد الإعجاب، بل لاكتشاف المعنى:
﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾
فجعل الكون آياتٍ منظورة، كما جعل الوحي آياتٍ مسطورة.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن “الشرع لا يأتي بما يحيله العقل، وإنما يأتي بما تحار فيه العقول”، وأن صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول. فالتكامل بين العقل والوحي أصلٌ مقرر، لا حالة استثنائية.
ولذلك لم يرَ علماء المسلمين الأوائل تعارضًا بين محراب العبادة ومجالس البحث، لأنهم فهموا أن اكتشاف القوانين الكونية قراءةٌ لآيات الله في الخلق.
العلم يبحث في الكيفيات والسنن، والإيمان يضبط الغايات والمقاصد. فإذا انفصلت المعرفة عن الغاية أصبحت قوةً بلا بوصلة، وإذا انفصلت الغاية عن فهم السنن تحولت إلى حماسةٍ بلا أثر.
ومن لطائف التعبير القرآني تكرار لفظ “الآيات” في الوحي وفي الكون؛ فالقرآن آياتٌ تُتلى، والكون آياتٌ تُرى. والإنسان الراشد هو من يقرأ الكتابين معًا.
وقد أثبتت الاكتشافات الحديثة دقة النظام الذي يحكم الذرة والمجرة، وهو ما يشير إلى إحكامٍ لا فوضى فيه:
﴿مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾
غير أن التلازم لا يعني الخلط. فالعلم التجريبي يقوم على الملاحظة والاختبار، والإيمان يقوم على الوحي في أصوله، ويستعين بالدليل العقلي الصحيح في فهم دلالاته واستنباط معانيه فيما لم يكن قطعيَّ الدلالة. ولكلٍّ مجاله وأدواته، غير أن كليهما يلتقيان في خدمة الإنسان وتوجيه مساره.
قال ابن القيم رحمه الله: “العلم النافع ما أورث الخشية”. فالعلم إذا لم يزكِّ النفس لم يكتمل نفعه، وإذا لم يقُد إلى معرفة الله بقي معرفةً ناقصة.
رمضان يعيد هذا التوازن؛ فهو شهر القرآن، لكنه أيضًا شهر الوعي. حين يقرأ الصائم كتاب ربه، ويقرأ في الوقت نفسه سنن نفسه وواقعه، يتشكل لديه وعيٌ متكامل.
إن بناء الإنسان لا يتم بعقلٍ تقنيٍّ بارد، ولا بقلبٍ متحمسٍ بلا علم، بل بعلمٍ مهتدٍ، وإيمانٍ واعٍ. فإذا تلازما تكاملا، وإذا تكاملا استقام المسار.
فهل نعيد وصل ما فُصل في أذهان بعضنا، ونجعل العلم والإيمان طريقًا واحدًا نحو إنسانٍ متوازن؟




