مقالات

د. محمد مجذوب محمد صالح يكتب: نظام المقايضة كبديل للنظام الدولي

د. محمد مجذوب محمد صالح يكتب: نظام المقايضة كبديل للنظام الدولي

من الملاحظ ان الكثير من الدول في الآونة الأخيرة تتبني نهجا متجاهلا لنظام القيم والمثل العليا التي قام عليها النظام الدولي ما بعد وستفاليا، وهو اتجاه يستند في الأساس الى منطق المقايضة والصفقات في السياسة الخارجية للدول، وقد كانت الصين هي الدولة الكبرى المبادرة الى هذا النهج في العلاقات الدولية.

فمنذ أكثر من عقدين من الزمان، اعتمدت بكين سياسة المقايضة مع الكثير من دول العالم بهدف انشاء أسواق جديدة وتعزيز تبادلاتها الاقتصادية، وبناء العلاقات الدبلوماسية على أسس اقتصادية مع كل من الدول سوآءا اكانت تلك الدول استبدادية او ديمقراطية فالقيم السياسية العليا هي اخر ما تفكر فيه بكين، وبذلك أثبتت “بكين” نفسها كقوة عظمى من خلال نموذج للتنمية الاقتصادية لرأسمالية الدولة يتجنب اجندة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني أو المخاوف بشأن نظام حكم المعمول به بين شركائها التجاريين .

الولايات المتحدة الامريكية اتبعت ذات السياسات الخارجية القائمة على مبدأ المقايضات الاقتصادية، كما يظهر ذلك من خلال فترة الرئيس ترامب في فترة ولايته الثانية، بملحظ ان واشنطن قد تعاملت مع حلفاء الامس والشركاء والأعداء على حد سواء من أجل الحصول على النفوذ الاقتصادي، واستخراج الموارد، والحصول على تنازلات بشأن التجارة والتعريفة الجمركية، فتتابعت الصفقات مع دول مثل الأرجنتين والصين واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة

العربية السعودية وكوريا الجنوبية وكوريا الجنوبية، بصرف النظر عن طبيعة نظام تلك البلدان، وهاجم بلا هوادة مؤسسات الاتحاد الأوربي (الناتو) التي تدعم النظام القائم على القواعد. وهي السياسة التي تظهر بوضوح مع حادثة القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتسليمه، لتبدو الولايات المتحدة حريصة على تأمين صفقات مع خليفة مادورو لصالح شركات النفط الأمريكية.

الا ان الملاحظ إن المستقبل الذي تقود فيه الصين والولايات المتحدة العالم يعود بالذاكرة الي سياسات القرن التاسع عشر، حيث تنافست فيه قلة من الإمبراطوريات في العالم على المجالات والموارد الاقتصادية والسيطرة الإقليمية في غياب مؤسسات دولية فعالة متعددة الأطراف وقانون دولي يمكن أن يقيد السلوك الجشع والاستبدادي، مما يعني نعي قواعد القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة وميثاقها العام، وتشيعه الى مثواه الاخير.

وهكذا يبدو أن العالم يعود الآن إلى نموذج القرن التاسع عشر الذي من المفترض فيه أن العلاقات الاقتصادية والصفقات الدبلوماسية والمالية قصيرة الأجل يمكن أن تدعم الاستقرار بين الدول، مثل إمبراطوريات القرن التاسع عشر، فتكون الولايات المتحدة والصين على حد سواء منافسان وشريكان – منافسان اقتصاديان مترددان يخشيان الحرب بقدر ما يستعدان لها.

حيث تسعى الدولتان إلى تعزيز نفوذهما العالمي والإقليمي بشكل مستقل مع الاعتراف باعتمادهما على بعضهما البعض. اذ تعكس مشاريع التنمية الداخلية والخارجية للصين، بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق، جهدا إمبراطوريا مألوفا في القرن التاسع عشر يركز على الهيمنة الإقليمية، حتى لو كانت هذه الوسائل الإمبراطورية موجهة نحو الغايات المحلية، وفي الوقت نفسه، جعلت إدارة ترامب مرة أخرى

نصف الكرة الغربي محور تركيز الأمن القومي الأمريكي وأعادت إحياء خطاب “المصير الواضح”، الذي انشغاله بالحدود الجنوبية وقوارب المخدرات المشتبه بها في منطقة البحر الكاريبي؛ واعتبار مبدأ مورنو الذي يعطي الولايات المتحدة الأمريكية الحق في إعادة استعمار دول امريكا اللاتينية ابتداء من فنزويلا واختطاف رئيسها مادورو.

وهو الواقع الذي يشابه الي حد كبير السباق الاستعماري بين إمبراطوريات القرن التاسع عشر مما ادي الى احداث دمار الحرب العالمية الأولى، ثم عادت القومية والحمائية والتوسعية والتفوق العنصري في ثلاثينيات القرن العشرين، وأحضرت قوى المحور العالم إلى الحرب العالمية الثانية مرة أخرى، وقد أوضحت كلتا الحربين العالميتين أن هناك حاجة ماسة إلى نظام قائم على المزيد من القيم السياسية العليا في المعمورة ، وهو ما قامت عليه المنظمات الدولية في عصبة الأمم والامم المتحدة وميثاقها في الحقوق العالمية والسيادة والتحرر من الاستيلاء على الأراضي.

والواقع ان اتباع نهج المقايضات والصفقات في الشؤون الدولية لن يؤدي إلى مجالات نفوذ دولي مستقرة بل إلى عدم استقرار المقايضات والمنافسة بين الدول حول من يمكنه استخراج أكبر قدر من النظام الدولي من حيث المقايضات والصفقات التجارية ونهب الموارد الطبيعية والصراع حول النفط والمعادن النادرة التي توجد خارج حدود البلدين ، مما يمنع تطوير حلول للمشاكل العالمية التي تتطلب مشاركة وحلولا جماعية.

أي ان إحياء سياسة الصفقات والمقايضات في السياسة الدولية سينتهي الى خلق حالة من الحروب وعدم الاستقرار السياسي في العالم ، مما يفتح الباب واسعا الى احتمالات نشوب الصراع بين القوى العظمى في العالم، والي موجات استعمارية تقليدية جديدة، واذا وضعنا في الاعتبار ان العالم الان قد أصبح متعدد الأقطاب بأكثر بكثير مما كان عليه في تاريخ القرن التاسع عشر، فان المتوقع ان تمارس الدول الأصغر الى جانب الدول الكبرى تأثيرا أكبر على المسرح العالمي، مما يعنى زيادة ملحوظة في مساحات الفوضى في العالم في مقابل تقلص ملحوظ في مساحات النظام والامن الدولي.
مصادر المقال مثبتة لدى الكاتب

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى