د. حسن التجاني يكتب | وهج الكلم | بصاولة حلفا …زمراوي نموذجا..!!

كتبت بحثا علميا وكنت وقتها في المرحلة الجامعية …عن عادات قطع الرحط كعادة متجزرة في المجتمع السوداني …لم يكن البحث خاص بالتخرج ولكن دكتور البحث العلمي بالجامعة طلب منا ذلك …شرط ان تكتب من واقع المجتمع الذي تعيش فيه. طبعا العبد لله يتشرف انه من ابناء ولاية كسلا محلية حلفا .
* تبحرت في مجتمع حلفا ولم اجد ان عادة قطع الرحط عادة اساسية في زيجاتهم لكن الناس الذين قدموا اليها من مجتمعات اخري كانت عندهم متوفرة.
* الرحط قصاصات من الجلد تربط علي خصر العروس اثناء الرقيص في ليلة الدخلة والجرتق يقوم العريس بقطعها وبعثرتها علي الحضور كفال خير كل من تقع عليه هذه القصاصة …لكنها اندثرت حتي في مجتمعاتها الاصل الا نادرا ربما في اطراف نائية من ولاياتها.
* ليس هذا ما قصدت الحديث عنه اليوم انما الحديث عن مجتمع البصاولة او البصالي كما يحلو لهم مناداته…مجتمع اصبح مجتمعا مؤثرا جدا لاهميته ونشاطه الواسع في مدينة حلفا الجديدة …حيث ان بدايتهم كانت في مربع (12) ويسمي بحي البصاولة ..وتمددت خارطة وجودهم فبلغ بهم الوجود مربع عشرة والمربعات الجديدة كلهاوالسوق .
* اكثر من (14) نجع للبصالي بين المحاميد والزعيرات والستاتنة والهواوي ….الزوايدية والبياض والقريطية و اخرين.
* المجتمع البصيلي هو مجتمع مهجر من وادي حلفا القديمة عندما تمت هجرة الحلفاويين
الي حلفا الجديدة هاجروا معهم وهم من مناطق مصرية جذورهم هناك من مناطق ادفو والبصيلية …من الصعيد المصري …لكن البصاولة جاءوا لوادي حلفا واستوطنوا هناك زمنا طويلا وعملوا بيوت مع الحلفاويين
وعندما جاءت الهجرة تم تعويضهم بنفس منازلهم بمدينة حلفا الجديدة ..وسكنوا في المدينة بينما الحلفاويين فضلوا السكن في القري خارج المدينة.
* لم يكن البصاولة في بداية حضورهم حلفا ميالين للتعليم الا القليل منهم كانوا اكثر ميولا للمهن الحرفية في البناء والنجارة والاعمال الحرة بصورة عامة تحديدا …الا ابناء العوائل المتيسرة هم الذين كانوا اوفر حظا في التعليم تعلموا تعليما ممتازا منهم علي سبيل المثال المرحوم فتحي لبانه كان قد درس الصيدلة في الخرطوم كانوا اذكياء ذكاء عال.. والمهندس رمضان علوب
ومهندس عوض المحسي والشهيد جمال محمد زمقان واولاد العمدة عبد السميع وعبد السلام وعكاشة احمد علي …وووووواخرين قد لايسع المجال لحصرهم ….والاستاذ المرحوم محمود زمراوي …وهذا موضوعنا اليوم.
* استاذ محمود احمد زمراوي عليه الرحمة كان معلما يحمل كل صفات الاستاذية من مظهر انيق ونظافة ظاهرة وهندام مميز سلوك متزن لا يتعاطي اي مكروه وحلال من (الكيف).
* كانت له هيبة الاستاذ علي زمانه وكان متمكنا من تدريس الرياضيات والانجليزي بدرجة امتياز …تعلمنا من استاذ محمود قواعد اللغة الانجليزية في الثانوي العام زمن كان المعلم مهاب ومحترم علي ذلك الزمان .
* في حلفا الجديدة كانت مدارسنا مدارس بمواصفات وليست اي كلام كما اليوم …مدرسة يعني مدرسة
لا تبعد كثيرا عن مواقع سكننا فكنا نذهب اليها سيرا بالاقدام من جهات مختلفة نحمل حقائبنا المدرسية.. فيها كل المطلوبات كراسات واقلام رصاص وحبر سائل وعلبة الهندسة المكونة من برجل ومنقلا ومثلث ومسطرة واستيكة وقلم رصاص …كنا اكثر انضباطا في طريقنا للمدرسة لاننا نتوقع ظهور اي استاذ فجأة في الطريق
وكنا نهاب الاستاذ ايا كان لان محاسبة الجلد كانت معتمدة لا كنا نشكو لاولياء امورنا فلا يسمعون لنا وان شكونا .
* الاستاذ كان ضربه وجلده فقط بغرض التربية عند التقصير في نظافة ملابسك وجسدك واظافرك خاصة في طابور كل سبت او تقصير في اداء الواجب المدرسي او السقوط في مادة من المواد حتي يستقيم امرك..كان استاذ محمود يأتي المدرسة نظيفا انيقا وسائر المعلمين الاخرين لانهم كانوا قدوة لنا نتعلم منهم كل شئ وكانوا بحق اساتذة ليس لهم شبيه في اساتذة اليوم الا نادرا فقد تبدل الحال تماما للاسوأ.
* استاذ محمود زمراوي رغم ان حالته متيسرة جدا الا انه لم يغتني سيارة حتي غادر الحياة فماتت وسيلته العجلة (الرالي الدبل).. كان كل همه ان يكون معلما نموذجا امام طلابه وكان يعرف تفاصيل كل طالب حتي اسرته ..كان محمود نجما من نجوم مجتمع البصالي هو الذي كان حريصا ان يتطور مجتمع البصالي ويتعلموا وقد فلح في ذلك وصار متحدثا باسمهم يقدمونه الصفوف لينوب عنهم في خواتيم مناسباتهم الحزينة منها والفرحة السعيدة …وكان وكيلا في عقودات افراحهم ويعتزون بذلك.
* رحم الله محمود زمراوي كان معلما وصديقا واخا ومربيا وجارا.. لم نسمع منه اساءة ولم نر له فعلا مشيئا او سوء معاملة
كان محمود بارا بوالديه في حياتهما مهذبا امام اخوانه لينا مع شقيقاته محبوبا لديهم جميعا وكان مصدر شورتهم وتبصيرهم لكنه مات يا حليل محمود.
* لم تنقطع صلة استاذ محمود بالتعليم بعد تقاعده للمعاش بل حرص ان ينشئ مدرسة خاصة جمع لها خيرة الاساتذة مدرسة بمواصفات ممتازة حل بها مشكلة القبول بين مرحلة واخري …الان شاهقة تحمل اسمه لم تنشئها له وزارة التربية والتعليم بولاية كسلا بل انشأها بحر ماله…وسكب فيها كل جهده لتبقي وتستمر.
* مات استاذ محمود عليه الرحمة وحزنت عليه حلفا كلها والقري عرب وحلفاويين فلا يخلو بيتا هناك الا وكان لمحمود نصيبا في تعليم ابنا من ابنائه.
* مات محمود وفقدته حلفا معلما متميزا ومستشارا تربويا رائعا …فقدته حلفا جميعها ومجتمع البصاولة تحديدا فقدته الاندية الرياضية وفريق النيل وافتقده مقعده في الصفوف الاولي من مسجد البصاولة الذي كان يقيم صلواته فيه.
* رجل الاعمال الهندسية بحلفا الجديدة ناصر فاروق عفيفي حين يتحدث عن الاستاذ محمود تتقطع انياط قلبك عندما يمدحه ناصر من جمال اخلاق وطيب معشر وحسن خلق …يحدثك ناصر عن اخر ايام استاذ محمود في حياته بحلفا بحديث متأثر وحزين تشعر ويشعرك ناصر فاروق بان الفقد عظيم ….رحم الله محمود اخي ناصر.. فلم يكن فقدكم له وحدكم لقد افتقدناه نحن طلابه واخوانه وجيرانه واحبابه …وال عبد المعطي جميعهم وال زمراوي وال جمعه تنان وال جمعه الحادي وال مهلل …وال عفيفي وال التجاني .
سطر فوق العادة :
كان استاذ محمود مثالا حيا للمعلم السوداني الاصيل وشرفا يحتذي به لكل بصيلي وحلفاوي وشكري وعربي وسوداني قادته الظروف لحلفا للتعليم او غيرها فعرف محمود معلما….رحم الله محمود وبارك الله في عمر ارملته المصون فاطمة عبد المعطي المرأة التي صمدت معه كل خطوات ذلك المشوار والطريق الوعر الملئ بمخاطر الصبر والتفاني والاخلاص …صمدت ووقفت لجانبة دون ان تمل او تنكسر او تتخازل لطول مشوار الرسالة فلها من الاجر باذن الله بمثل ما له حتي اكمل رسالته كما ارادها الله له ان تتم…ونخص باحر التعازي شقيقته نفيسة احمد زمراوي التي كانت له توأم وليس مجرد اخت …والتعازي لكل مجتمع حلفا عامة ومجتمع البصالي ونخص بالتعزية الشيخ عبد الرضي حسنين امام وشيخ مسجد حلفا الجديدة في فقدهم الجلل استاذ محمود …انا لله وانا اليه راجعون.
(ان قدر لنا نعود)





