د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: .. ترانيم الظلم..اللجان المتخصصة والحوكمة الرشيدة… كيف تحمي الخرطوم مالها العام وتبني مشاريعها لتبقى

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: .. ترانيم الظلم..اللجان المتخصصة والحوكمة الرشيدة… كيف تحمي الخرطوم مالها العام وتبني مشاريعها لتبقى
إلى والي ولاية الخرطوم سلمه الله ، في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ وطننا، لم تعد ولاية الخرطوم مجرد نطاق إداري أو جغرافي، بل أصبحت معيارا تقاس به قدرة الدولة على النهوض المؤسسي، وحسن إدارة مواردها، واستعادة ثقة مواطنيها. وما يُطرح اليوم من عطاءات في مجالات الطرق، وتصريف المياه، والطاقة، يمثل لحظة مفصلية لاختبار جدية الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة البناء.
إن زخم العطاءات المطروحة يعكس حجم التحديات المتراكمة وحاجة الإعمار، لكنه في الوقت ذاته يفرض مسؤولية وطنية مضاعفة. فالعبرة في العمل العام لا تكمن في عدد العطاءات ولا في سرعة الترسية، بل في سلامة القرار، وجودة التنفيذ، واستدامة الأثر. فالمشاريع العامة ليست سباقا زمنيا، بل التزاما طويل الأمد تجاه المال العام والمواطن.
من منظور الحوكمة الرشيدة، يُعد العطاء قرارا ماليا وفنيا وأخلاقيا في آن واحد. والمال العام، بطبيعته، لا تحميه النوايا الحسنة وحدها، بل تحميه الأنظمة الواضحة، واللجان المتخصصة، والمعايير الصارمة، وآليات الرقابة السابقة واللاحقة. وأخطر ما يهدد المال العام ليس الفساد المباشر فقط، بل القرار غير المدروس، والتقييم غير المتخصص، والاختيار القائم على السعر الأدنى دون اعتبار للكلفة الكلية ودورة حياة المشروع.
هنا تتجلى الأهمية المحورية للجان المتخصصة بوصفها حجر الزاوية في أي منظومة حوكمة فعالة. فاللجنة الفنية المتخصصة تحمي جودة الحلول، وتضمن ملاءمتها للبيئة المناخية والواقع التشغيلي لولاية الخرطوم، وتقي المشاريع من حلول قصيرة العمر عالية الكلفة مستقبلا. واللجنة الاقتصادية والمالية تمثل الحارس العلمي للمال العام، حين تنقل التقييم من منطق السعر إلى منطق القيمة مقابل المال، وتوازن بين الكلفة والعائد والاستدامة.
أما اللجنة القانونية والتعاقدية، فهي صمام الأمان الذي يصون القرار الإداري من التعقيدات والنزاعات، ويحفظ حقوق الدولة، ويعزز هيبة التعاقد العام. وتأتي لجان المتابعة والرقابة والجودة لتغلق الحلقة بين الورق والتنفيذ، فتربط الصرف العام بمؤشرات أداء واضحة، وتضمن أن ما يُعتمد على الورق يُنفذ على الأرض بالجودة ذاتها.
إن الحوكمة الرشيدة في تنفيذ المشاريع لا تبدأ عند الترسية، بل من لحظة إعداد كراسة العطاء، حين تُكتب المواصفات بضمير مهني، وتُحدد المعايير بوضوح، ويُفصل بين من يقرر ومن ينفذ ومن يراقب. هذا الفصل ليس تعقيدا إداريا، بل جوهر الدولة المؤسسية، وهو ما يحول السلطة من اجتهاد فردي إلى نظام يحمي نفسه بنفسه.
سعادة الوالي، إن كل قرار عطاء غير مدروس لا ينعكس أثرا ماليا فحسب، بل يطال حياة المواطن مباشرة: طريق يتلف قبل أوانه، إنارة تنطفئ، مشروع يعاد ترميمه بعد سنوات قليلة. وهنا تصبح الجودة الشاملة حقا عاما، لا ترفا إداريا، وحماية المال العام واجبا وطنيا لا يحتمل التساهل.
إن ولاية الخرطوم، بما تمثله من ثقل رمزي ووطني، قادرة بقيادتكم على أن تقدم نموذجا يحتذى به في إدارة العطاءات وتنفيذ المشاريع وفق مبادئ الحوكمة الرشيدة. فالمشاريع التي تُنفذ بعلم، وتُراقب بعدل، وتُسلَّم بجودة، هي التي تبقى شاهدا على صدق الإدارة، وتسهم في بناء الثقة بين المواطن والدولة، وهي الثروة الحقيقية لأي عملية إعمار ناجحة.





