مقالات

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: .. ترانيم الظلم..التقييم كقوة وطنية: كيف تتجاوز الدول لحظات الاختناق؟

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: .. ترانيم الظلم..التقييم كقوة وطنية: كيف تتجاوز الدول لحظات الاختناق؟

 

 

 

في محطات التحول الكبرى، لا تخرج الدول من أزماتها بالقوة وحدها، ولا تتجاوز عنق الزجاجة بتغيير الأشخاص فقط، بل تتجاوزه حين تتوحد كلمتها، وتتناسق رؤيتها، وتصبح إرادة الوطن أكبر من ضجيج اللحظة وأعمق من خلافات السياسة. فالدولة التي ترى نفسها بوضوح، وتراجع أدواتها بشجاعة، وتعيد ترتيب صفها بروح وطنية لا تعرف الإقصاء… هي دولة تمهد لنهضتها قبل أن تعلنها.

التقييم—في معناه الرفيع—ليس إجراءً إدارياً، ولا محكمة لأداء الوزراء والولاة، بل هو ممارسة حضارية تمسك فيها الدولة بالمرآة، لا لتحاسب الأفراد، بل لتتعرف إلى صورتها في زمنٍ تتغير فيه الخرائط والولاءات والتوازنات. ففي لحظات التحول، يصبح التقييم قوة وطنية، وشرطاً للانطلاق، وجزءاً من هندسة المستقبل.

لقد بذل الوزراء وولاة الولايات جهوداً تُذكر وتشكر، واجتهدوا في ظروف تتداخل فيها الحرب مع الإدارة، والتحديات الاقتصادية مع ضغوط المواطن، وندرة الموارد مع تضخم الاحتياجات. وقفوا في خطوط مسؤولية معقدة، وقدّم كل منهم ما استطاع، ومن الأمانة الوطنية أن نقرّ بأنهم ساهموا في حماية الدولة في زمن كاد أن يبتلع مؤسساتها.

لكن الدول الحية لا تبقى عند حدود الامتنان فقط، بل تسأل: هل ما نملكه اليوم هو ما تحتاجه المرحلة القادمة؟
فالتقييم ليس حكماً على الماضي، بل هو قراءة للمستقبل، وتحديد لأدواته. وهو اختبار لقدرة الأداء الحكومي على مواكبة مرحلة جديدة تشير مؤشراتها إلى أن السودان بدأ بالفعل يتجاوز لحظة الاختناق الكبرى، ويقترب من فضاء سياسي وأمني أكثر استقراراً.

وفي قلب هذه اللحظة يقف رئيس مجلس الوزراء، ليس بوصفه قائد السلطة التنفيذية فحسب، بل بوصفه حامل رؤية وطنية تمثل الجسر بين الأزمة والعبور. ولأن العبور يحتاج إلى فريق لا يقل وطنية ولا بصيرة عن قائده، فإن وجود البطانة الصالحة يصبح شرطاً للنجاح: بطانة صادقة، ناصحة، تضع الحقائق كما هي، ولا تجمّل الواقع، ولا تزيد أعباء الدولة بالولاءات الضيقة أو الحسابات الصغيرة.

من هنا، يصبح التقييم ليس عملية فرز، بل عملية إعادة توزيع ذكي للطاقات الوطنية. الناجح يُثبت ويُكرم لأن الأمة لا تجحد فضل أبنائها، والمجتهد يُدعم ليواصل، ومن لم تناسبه المرحلة يُعاد توجيهه لموقع آخر يستثمر خبرته ويخدم به الوطن. فالدولة لا تهدر الطاقات، بل تعيد هندستها لتنسجم مع حاجات اللحظة.

لقد أثبت التاريخ أن السودان ينهض حين تتوحد إرادته. واليوم، مع وضوح المشهد السياسي، وانخفاض الضبابية، وبداية تحول في وعي المؤسسات والمجتمع، يصبح واجب الدولة أن ترفع منسوب التناغم الداخلي، وأن تجعل التقييم أداة لتعزيز وحدة الصف، لا لتوسيع مساحات الخلاف.

إننا أمام مرحلة ليست عادية؛
مرحلة تتطلب رؤية واحدة، وصوتاً وطنياً واحداً، وكفاءة لا تكتفي بإدارة الواقع بل بصناعة المستقبل. مرحلة تحتاج إلى رجال دولة، لا رجال مناصب. وإلى قيادات تستطيع أن تقود العبور، لا أن تكتفي بتسيير اليوميات.

والخلاصة أن التقييم—حين يُدار بحكمة وعدالة—يصبح أكبر أدوات الدولة قوة، وأوسعها أثراً. فهو لا يسقط أحداً، بل يرفع الجميع نحو أداء أفضل، ويعيد للدولة ثقتها بذاتها، ويمنح السودان فرصةً حقيقية لبدء مرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار.

وحين تتوحد الكلمة، وتنضبط الرؤية، وتتشكل البطانة الصادقة حول القيادة…
يصبح العبور ممكناً،
ويبدأ السودان رحلة خروج ثابتة من لحظات الاختناق
إلى فضاء وطنٍ يتنفس قوته… ويستعيد مكانته… ويستقبل مستقبله كما يليق به.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى