د. الشاذلي عبداللطيف يكتب:.. ترانيم الظلم..أريد أن أعيش في جلباب أبي

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب:.. ترانيم الظلم..أريد أن أعيش في جلباب أبي
هناك لحظة يصل فيها الضابط إلى بوابة التقاعد، وكأنه يقف على تخوم زمنين:
زمنٌ مضى بكامل صخبه، وزمنٌ جديد يبدأ بصوت خافت، لكنه ناصع بما يكفي ليفتح بابًا آخر في معنى الخدمة.
وفي تلك اللحظة، يدرك الضابط أن ما عاشه لم يكن وظيفة، ولا رتبة، ولا تكليفًا عابرًا…
بل كان رحلة روحية في بيتٍ ظلّ له أبًا ورمزًا، وإن لم يُسمَّ باسمه.
بيتٌ تُخفي جدرانه سيرة رجال حملوا الأمن كمن يحمل قلب الناس بين يديه.
ولذلك، حين نقول إننا نريد أن نبقى في جلباب الأب،
فنحن لا نعود إلى الوراء،
بل نعود إلى المعنى…
إلى تلك الخيوط التي تربط الإنسان بما كان، وبما صار، وبما يجب أن يكون.
الضابط لا يتقاعد… بل تتبدل ساحته فقط
هناك من يتوهم أن التقاعد نهاية.
لكن الضابط — وحده — يعرف أن ما انتهى هو اليوميات فقط،
أما الرسالة فتبقى،
والرؤية تبقى،
وخشونة الكتف التي اعتادت حمل المسؤولية… تبقى أيضًا.
فالضابط لا يغادر الخدمة،
بل يغادر موقع الخدمة.
أما الروح فتبقى واقفة كما كانت، في نقطةٍ بين الواجب والوطن.
ومَن سُمّوا “متقاعدين” هم في الحقيقة شيوخ الحكمة؛
أولئك الذين صقلتهم التجارب، وشدّتهم الليالي، وهدّأتهم السنوات حتى صاروا يعرفون من الأشياء ما لا تُدرّسه الأكاديميات.
إلى من بيده أمر البيت… دون أن نذكره
لا حاجة لاسم،
فالرموز لا تحتاج تعريفًا.
يكفي أنه هناك،
يراقب من بعيد،
ويعرف الوجوه التي خدمت، والقلوب التي تعبت، والسنين التي صنعت رجالًا لا يُشبهون غيرهم.
وذلك البيت الكبير — إن أراد — قادر على أن يجعل مرحلة ما بعد الخدمة امتدادًا مشرفًا لا نهايةً باهتة.
وقادر على أن يرد للضابط مكانته في لحظة يحتاج فيها إلى اعتراف صامت،
لا إلى صخب.
المتقاعدون… كنوز الحكمة التي لم تُفتح بعد
لو فُتحت دفاتر المتقاعدين،
لوجدنا فيها:
خبرة إدارة الأزمات،
وصبر التعامل مع البشر،
وذكاء قراءة الشارع،
وفطنة اتخاذ القرار في اللحظة الحرجة،
ومعارف لا تُكتسب إلا بالوقوف الطويل على عتبات الليل.
هؤلاء قادرون — لو أُتيح لهم — على:
تأسيس مدارس تدريب جديدة،
تقديم استشارات أمنية عميقة،
صياغة سياسات واقعية،
دعم الجيل الجديد بخبرة الميدان،
والمساهمة في مشاريع اقتصادية واجتماعية هادفة.
إنهم ليسوا نهاية زمن…
بل بداية زمن آخر أشد نضجًا، وأوسع أثرًا.
البيت الكبير قادر… متى شاء صاحبه أن يفتح الأبواب
لا نطلب إلا أن تُستثمر هذه الحكمة.
أن تُفتح للمتقاعدين أبواب العطاء كما فُتحت لهم أبواب الواجب.
أن تتسع لهم الحياة كما اتسعت صدورهم للمسؤولية يوم حملوها.
فالبيت الذي صنع رجالًا،
قادر على أن يصنع لهم مستقبلًا لا يُشبه الوداع،
بل يُشبه الاستمرار.
الخاتمة… حكمة الجلباب الذي لا يُخلع
نحن لا نقول إننا نريد أن نعود؛
بل نقول إننا لم نغادر يومًا.
فالخدمة ليست رتبةً على الكتف،
بل هويةٌ في القلب.
وكل ما نرجوه أن يبقى جلباب الأب — ذاك الجلباب العتيق، الواسع، المهيب —
ممتدًا فوق رؤوسنا،
يمنح المتقاعدين مكانتهم،
ويمنح الحكمة حقها،
ويمنح الوطن فرصة للاستفادة من رجال لا يزال فيهم الكثير… والكثير جدًا.
فالضابط حين يتقاعد…
لا تنتهي حكايته،
بل تبدأ فصولها الأعمق.هناك لحظة يصل فيها الضابط إلى بوابة التقاعد، وكأنه يقف على تخوم زمنين:
زمنٌ مضى بكامل صخبه، وزمنٌ جديد يبدأ بصوت خافت، لكنه ناصع بما يكفي ليفتح بابًا آخر في معنى الخدمة.





