مقالات

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: المنح الرياضية العالمية والشراكات الذكية من صدمة السودان والسنغال إلى مشروع وطني للمنافسة الدولية

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: المنح الرياضية العالمية والشراكات الذكية من صدمة السودان والسنغال إلى مشروع وطني للمنافسة الدولية

 

لاعب نادي حي العرب بورت سودان معالي وزير الرياضة في الرياضة الحديثة، لا تُقاس الدول بنتيجة مباراة، بل بقدرتها على تحويل الخسارة إلى معرفة، والأداء إلى مشروع، والموهبة إلى استثمار طويل المدى. ومن هذا المنظور، فإن مباراة السودان والسنغال، التي انتهت بفوز السنغال بثلاثة أهداف مقابل هدف، يجب ألا تُقرأ بوصفها إخفاقًا، بل لحظة كشف صريحة لواقعنا الرياضي.

النتيجة كانت متوقعة بحسابات كرة القدم العالمية، لكن ما لم يكن متوقعًا هو المستوى العالي الذي قدمه لاعبان شابان من المنتخب السوداني، عامر عبد الله وشادي. أداء فني وبدني وتكتيكي ينسجم مع متطلبات اللعبة الحديثة، وهدف سجله عامر بعقلية لاعب محترف، من حيث التمركز، واتخاذ القرار، والتنفيذ تحت الضغط. هذا المشهد وحده كافٍ لطرح السؤال الجوهري: لماذا تظهر هذه المواهب متأخرة؟ ولماذا لا يكون هذا المستوى هو القاعدة لا الاستثناء؟

في عالم High Performance Sport، الموهبة لا تُترك للصدفة، بل تُدار عبر مسارات واضحة تُعرف بـ Talent Identification & Development Pathways. هذه المسارات تبدأ بالاكتشاف المبكر، ثم التطوير المرحلي، ثم الاحتراف الخارجي، ضمن بيئات تدريبية متقدمة. السودان لا يفتقد الموهبة، لكنه يفتقد هذا المسار.

المنح الرياضية العالمية تمثل اليوم أحد أهم أدوات سد هذه الفجوة. الاتحادات الدولية، واللجنة الأولمبية الدولية، وبرامج التضامن الأولمبي، والاتحادات القارية، إضافة إلى الأكاديميات الاحترافية، توفر فرصًا سنوية لتطوير اللاعبين، والمدربين، والإداريين. هذه المنح تشمل علوم التدريب، الإعداد البدني، التحليل الرقمي، التغذية، والجاهزية الذهنية. لكنها لا تُمنح لمن يفتقد الرؤية، بل لمن يملك مشروعًا واضحًا.

المشكلة أن السودان يتعامل مع المنح بعقل موسمي، لا بعقل استراتيجي. تُدار أحيانًا بالمجاملات، أو تُختزل في سفر بلا متابعة، فتضيع قيمتها. بينما الدول التي سبقتنا تعاملت معها كأداة دولة، لا كفرصة فرد. لاعب يُبتعث في سن صغيرة لبرنامج احترافي يمتد لعدة سنوات يعود بثقافة كاملة، لا بمهارة فقط.

أما الشراكات الذكية، فهي العمود الفقري لأي مشروع رياضي حديث. العالم اليوم يعمل بمنطق Strategic Partnerships لا العلاقات الشخصية. شراكات حقيقية مع أندية وأكاديميات واتحادات، تقوم على تبادل المواهب، المعسكرات المشتركة، تدريب المدربين، ونقل المعرفة. تُدار بعقود واضحة، وأهداف محددة، ومؤشرات أداء، لا بمذكرات تفاهم شكلية.

في كرة القدم، الاعتماد المستمر على لاعبين تجاوزوا ذروة عطائهم يتعارض مع كل مبادئ التطوير. المنتخبات الناجحة تبني عمقًا تنافسيًا، وتُحدِث إحلالًا تدريجيًا، ولا ترهن مشروعها بجيل واحد. ما أظهره عامر وشادي دليل على أن القاعدة موجودة، لكن غياب الرؤية يحول دون تعميم النموذج.

التجارب الدولية، خصوصًا في أفريقيا، تؤكد أن النجاح لا يأتي صدفة. دول مثل المغرب استثمرت في الفئات السنية، بنت شراكات دولية، وأرسلت لاعبيها صغارًا للتدريب الخارجي، فصار المنتخب الأول نتيجة طبيعية لتراكم العمل. أما نحن، فما زلنا نطلب نتائج حديثة بأدوات قديمة.
معالي الوزير الرياضة اليوم تُدار بلغة الأرقام، والبيانات، والاستراتيجيات. المنح العالمية ليست دعمًا عابرًا، بل أداة تطوير أساسية. والشراكات الذكية ليست ترفًا، بل شرط دخول عصر المنافسة.

المطلوب قرار وطني شجاع:
إنشاء جهاز محترف لإدارة المنح والشراكات،
وضع معايير اختيار صارمة قائمة على الأداء،
حماية الموهبة من الإقصاء،
وإبعاد المجاملة بلا مواربة.
هذه ليست قضية مباراة، بل قضية مستقبل.
فإما أن ننتقل إلى لغة الرياضة العالمية، أو نظل خارج الملعب، نراقب الآخرين وهم يحصدون نتائج كان يمكن أن تكون لنا، لو أحسنا الاختيار في الوقت المناسب.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى