د. الشاذلي عبداللطيف يكتب : الانسان السوداني بين كفاءة الفرد وغياب الاطار

من خلال تجربتي العملية وتنقلي بين عدد من دول العالم في الخليج واوروبا وافريقيا كنت دائما اشعر بفخر صادق حين يذكر انني من السودان. لم يكن ذلك بدافع العاطفة وحدها بل لانني رايت كيف ينظر الى السوداني كانسان يمكن الاعتماد عليه في اخلاقه وفي صبره وفي قدرته على العمل والتاقلم. في البيئات المنظمة حيث القواعد واضحة والمسؤوليات محددة ثبت السوداني كفاءة تحترمها المؤسسات قبل الافراد.
هذا الفخر قادني الى تساؤل هادئ لا يحمل مرارة لماذا تتفتح قدرات السوداني خارج وطنه بينما تتعثر داخل حدوده ولماذا ينجح الفرد فيما تفشل الدولة في احتواء هذا النجاح وتحويله الى قوة عامة.
اذا تاملنا تجربة السوداني في الخارج نجد انه لا يتحول الى انسان اخر هو نفسه بصفاته المعروفة
ذكاء عملي قدرة على التحمل انضباط ذاتي واحترام للمسؤولية. الفرق الجوهري ليس في الانسان بل في البيئة التي يعمل داخلها هناك نظام واضح قانون يطبق ادارة تعرف حدودها ومساءلة لا تميز بين الناس. في هذا الاطار لا يطلب من الفرد ان يكون بطلا بل ان يؤدي دوره فيؤديه باتقان.
اما في الداخل فالمشكلة تبدا حين تفقد الدولة معناها الوظيفي. الدولة ليست اشخاصا ولا شعارات بل اطار ينظم الحياة المشتركة. وظيفتها ان تضع قواعد عادلة وتحمي الجهد وتكافئ الكفاءة وتمنع تغول النفوذ. وعندما تفشل في اداء هذه الوظيفة يتحول العمل الجاد الى مخاطرة والالتزام بالقانون الى عبء والمبادرة الى مجازفة غير مضمونة العواقب.
في مثل هذه الاجواء لا تموت الكفاءة لكنها ترهق. الموظف المجتهد لا يجد حماية وصاحب الراي ينظر اليه احيانا كعنصر ازعاج ومن يتمسك بالنص يتهم بتعقيد الامور. ومع مرور الوقت يتراجع الحماس لا لان الناس لا تريد العمل بل لان العمل لا يجد بيئة عادلة تحتضنه.
وزاد من تعقيد المشهد ان السياسة ابتعدت في كثير من الاحيان عن معناها البسيط بوصفها ادارة للشان العام. تحولت الى صراع مواقع وتقاسم نفوذ وخلط بين العلاقات الخاصة والمسؤوليات العامة. ومع هذا الخلط ضعفت الثقة بين المواطن والدولة وبين الفرد والمؤسسة فاصبح العمل الجماعي امرا شاقا مهما كانت النوايا حسنة.
ولا يمكن بناء عقل جمعي سليم ما لم نبتعد عن القبلية والجهوية والعنصرية والحزبية الضيقة وعن النظرة قصيرة المدى في ادارة الشان العام. فهذه الممارسات حين تتسلل الى مؤسسات الدولة تقتل العدالة وتقصي الكفاءة وتمنع التخطيط طويل النفس. الدولة لا تدار بردود الافعال ولا تبنى على الولاءات بل على رؤية تضع الوطن فوق الجماعة والمستقبل فوق اللحظة.
وليس من قبيل المصادفة ان يكون السودان غنيا بموارده وفقيرا في استثمارها. فكل موارد السودان في حقيقتها هبات ربانية قبل ان تكون ثروات مادية. الارض والماء والمعادن والنيل كلها عطايا اودعت هذا الوطن امانة واستخلافا. غير ان اعظم هذه الهبات ليس ما في باطن الارض بل انسان السودان نفسه.
فهو جوهرة هذه العطايا وموضع التكليف واساس العمران. وفي ميزان الشريعة لا تحفظ النعمة بكثرتها بل بالعدل في ادارتها ولا تدوم الثروة اذا اهدر الانسان او اقصي الشريف. فاذا ضاعت الامانة تحولت النعمة الى ابتلاء مهما عظمت الموارد.
كثيرا ما يقال ان الحسد سبب الاخفاق وهو موجود بلا شك لكنه تفسير ناقص. فالحسد لا يسقط الدول. ما يسقطها هو غياب ميزان عادل يحتكم اليه الجميع. عندما يكون القانون واضحا ومطبقا يصبح النجاح امرا طبيعيا لا مثيرا للريبة او الاستهداف.
السودانيون اثبتوا انهم قادرون على النجاح افرادا لكن الدولة لم تنجح بعد في تحويل هذه النجاحات الفردية الى طاقة جماعية. ومع ذلك فان الصورة
ليست قاتمة. فالسودان يملك انسانه وهذه اكبر ثرواته. ما يحتاجه فقط هو اطار مؤسسي يحمي هذا الانسان وينظم جهده ويكافئ صدقه.
عندها لن يبدو نجاح الشوداني في الخارج لغزا مؤلما بل امتدادا طبيعيا لنجاح وطن وجد اخيرا الطريق الذي يخرج افضل ما في ابنائه.





