مقالات

حين يهدأ القلب ويستعيد اسمه

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | حديث الوطن

الحياة لا تُقاس بعدد ما ننجز، بل بقدر ما نشعر ونحن ننجز.
هذه الحقيقة البسيطة تتأخر علينا كثيراً، لأننا ننشغل بالركض قبل أن نسأل: إلى أين؟ نُكثر من الخطوات ونُقلّل من التأمل، نرفع سقف الطموح وننسى أن نثبّت أرض القلب.
الإنسان لا يتعب من العمل، بل يتعب من القلق. يتعب من المقارنة، من انتظار الاعتراف، من الخوف أن يتأخر عن الآخرين. كأن الزمن خصمٌ ينبغي أن نسبقه، لا رفيقٌ ينبغي أن نحسن السير معه.

لكن القلب، حين يهدأ، يعيد ترتيب العالم. فجأةً تتضاءل الضوضاء، وتفقد المخاوف مبالغتها، وتعود الأشياء إلى أحجامها الطبيعية. ندرك أن كثيراً مما أقلقنا لم يكن يستحق هذا الثقل كله.
السكينة ليست انسحاباً من الحياة، بل طريقة أرقى لعيشها. أن تعمل وأنت مطمئن، أن تختلف دون خصومة، أن تطمح دون أن تحترق. أن يكون في داخلك مقعدٌ ثابت تجلس عليه كلما اهتزّ الخارج.

تعلمت أن بعض الخسارات رحمة، وأن بعض التأخيرات حماية، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت كانت تصوننا من ريحٍ لم نكن لنحتملها. ليست كل الأشياء تُفهم في وقتها، لكن الزمن كفيل بأن يكشف لطف الله في التفاصيل الصغيرة.
أن تكون مرتاحاً لا يعني أن حياتك كاملة، بل يعني أنك تصالحت مع نقصها. تصالحت مع ضعفك البشري، مع أخطائك القديمة، مع محدودية قدرتك على التحكم بكل شيء. وحين تتصالح، يتحول العبء إلى خفة، ويتحول القلق إلى انتظارٍ هادئ.

خذ الأمور على مهل.
لا تحمل الغد قبل أن يأتي، ولا تُعد محاكمة الأمس كل ليلة. دع لكل يومٍ حقه، ولكل مرحلةٍ معناها. الحياة ليست سباقاً طويلاً بقدر ما هي رحلة تحتاج قلباً متوازناً.
حين يهدأ القلب ويستعيد اسمه، يكتشف أن السلام لم يكن بعيداً، بل كان ينتظر أن نفتح له الباب.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى