مقالات

حين يترجّل صوت الحكمة… بروف صلاح الدين الفاضل وذاكرة الإذاعة_ السودانية

سعاد سلامة تكتب | همس البوادي

ليس رحيل بروف صلاح الدين الفاضل مجرّد فقدٍ لشخصية إعلامية بل انطفاء صوتٍ كان جزءًا من الضمير الجمعي السوداني وصدى زمنٍ جميل عرفت فيه الإذاعة طريقها إلى الناس بلا وسائط وعرفت فيه الكلمة معناها والرسالة وجهتها.
برحيله تودّع الإذاعة السودانية واحدًا من أعمدتها الفكرية والمهنية ومن الرجال الذين أسّسوا للإعلام بوصفه وعيًا قبل أن يكون خبرًا ومسؤولية قبل أن يكون حضورًا.

كان من أولئك الذين يدخلون الاستديو بخشوع ويتعاملون مع الميكروفون كعهد أخلاقي لا يُكسر لأن الصوت في نظره ليس ملك صاحبه بل أمانة في ذمة الوطن.
لم يكن بروف صلاح الدين الفاضل إعلاميًا فحسب بل أستاذًا جامعيًا في كليات الإعلام حمل المعرفة من قاعات الدرس إلى فضاء الأثير وربط بين النظرية والتطبيق فخرّج أجيالًا تعرف أن الإعلام علمٌ وأن المهنية تُدرَّس كما تُمارَس في محاضراته.

كان يزرع في طلابه احترام العقل والانضباط المهني والإيمان بأن الكلمة غير المسؤولة قد تهدم أكثر مما تبني.
وفي الإذاعة كان مخرجًا إذاعيًا ودراميًا من طرازٍ خاص؛ يرى في الصوت صورة وفي الصمت معنى وفي الإيقاع لغة خفية تصل إلى وجدان المستمع قبل أذنه.
أدار المشهد الإذاعي بعين الفنان ووعي الأكاديمي فصاغ أعمالًا درامية وإذاعية حملت عمق الفكرة وجمال الأداء، وأسهمت في ترسيخ الدراما الإذاعية كرافد ثقافي وتنويري لا مجرّد ترفٍ فني.

أسّس الراحل بفكره وخبرته دعائم مؤسسة إذاعية واعية داخل الإذاعة السودانية مؤسسة لا تركض خلف الإثارة ولا تنحاز للسطح بل تقف في صف الحقيقة والإنسان.
كان يؤمن بأن الإعلام الوطني لا يُقاس بعدد المستمعين فقط بل بقدرته على الارتقاء بالذائقة العامة وحماية الهوية وصون الوعي.

في لحظات الالتباس ينتمي بروف صلاح الدين الفاضل إلى جيلٍ نادر، جيلٍ كان يرى في الإعلام موقفًا أخلاقيًا وفي الحياد انحيازًا صريحًا للحقيقة وفي الصمت المدروس حكمة وفي الكلمة الصادقة شجاعة.
جيلٌ لم تُغره الأضواء ولم تُبدّل بوصلته المناصب فظل وفيًا للمهنة ولطلابه وللمستمع السوداني.
اليوم ونحن نودّع، لا نرثي رجلًا فقط بل ننعى مرحلةً كانت فيها الإذاعة السودانية مدرسة، وكان المخرج معلّمًا وكان الأستاذ قدوة.

غير أن العزاء الحقيقي أن إرثه لم يرحل معه فهو باقٍ في الأعمال التي أخرجها وفي العقول التي علّمها وفي الأصوات التي تشكّلت على يديه وتحمل اليوم رسالته دون أن ترفع اسمه.
يرحل بروف صلاح الدين الفاضل، لكن صوته لا يغيب… يبقى همسًا في وجدان الإذاعة ودليلًا على أن الإعلام حين يُبنى على العلم والصدق والضمير لا يموت.

فاصلة
أتعهد باسمي وقلمي أن أبقى وفيةً لذلك العهد غير المكتوب أن لا أساوم على المهنية ولا أُزيّن الزيف ولا أترك الضجيج يعلو على صوت الضمير.
هذا وعدٌ أقطعه لروحه وللمهنة وللقارئ الذي يستحق إعلامًا نظيفًا صادقًا ومسؤولًا.
فإن غاب الجسد بقي الأثر وبقيت الكلمة أمانة.
رحمك الله رحمة واسعة وان يجعل صبرك مع المرض كفارة (_بروف_) صلاح الدين الفاضل كما تحلولنامناداتك ستظل كلماتك ووصاياك قلادة شرف لنا في هنا امدرمان إذاعة جمهورية السودان.
اللهم أمنا في أوطاننا

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى