
والطريق يبدو غير الطريق يا سيدي، فما جدوى الحديث وأنت تعلم أن الآخر لن يسمعك؟
كأن الكلمات تُلقى في فراغٍ بلا صدى، وكأن الحروف تتناثر في هواءٍ لا يحتفظ بشيء. تحاول أن تقول، أن تشرح، أن تُضيء زاويةً في عتمة الفهم، لكنك تصطدم بصمتٍ أثقل من الضجيج، وبآذانٍ مغلقة لا ينفذ إليها نداء. عندها تدرك أن الحديث لم يعد وسيلة، بل صار عبئًا، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من كل بيان.
ولن يجدي الحديث بعد الآن، فالمُدرك للطريق لا ترهبه عثرة الدرب، ولا تُربكه تقلبات المسافات، ولا تُخيفه وعورة الطريق. إنه يمضي وهو يعلم أن الطريق ليس وعدًا سهلاً، بل اختبارٌ طويل، وأن كل خطوةٍ فيه تحمل درسًا، وكل تعثرٍ فيه يضيف بصيرة. لا ينتظر الطريق أن يكون ممهّدًا، ولا يشترط أن تكون السماء صافية، لأنه تعلّم أن المسير الحقيقي يبدأ حين تنتهي الراحة.
هذا الذي عرف الطريق، لا يلتفت لكل نداءٍ عابر، ولا ينشغل بكل صوتٍ مرتفع. فقد أدرك أن الضجيج لا يصنع حقًا، وأن كثرة الكلام لا تعني وضوح الرؤية. يمضي وكأن في داخله بوصلة خفية، توجهه حين تضيع العلامات، وتثبته حين تكثر الاحتمالات. يعرف أن الانشغال بالآخرين قد يُبطئه، وأن الالتفات المستمر قد يُفقده وجهته، لذلك يختار المضي، لا عنادًا، بل يقينًا.
وفي عمق هذا المسير، تتشكل علاقة مختلفة مع الطريق. لم يعد مجرد مسافة تُقطع، بل تجربة تُعاش، ووعيٌ يتراكم، وندوبٌ تتحول إلى دروس. الطريق يُعلّم أكثر مما يُعطي، ويأخذ أحيانًا أكثر مما يبدو، لكنه في النهاية يكشف معادن السائرين فيه. فمنهم من يتراجع عند أول عثرة، ومنهم من يتوقف ليندب حظه، ومنهم—وهؤلاء هم القلة—من يُكمل رغم كل شيء.
وهكذا يعرف أهل السودان طريقهم، بعد أن عاشوا وعاشت فيهم التجربة. لم تعد الطريق بالنسبة لهم مجرد فكرة أو شعار، بل واقعٌ ثقيل حملوه على أكتافهم، وصار جزءًا من ذاكرتهم اليومية. تعلّموا أن الطريق لا يُهدى، بل يُنتزع بالصبر، وأن الوطن لا يُبنى بالأمنيات، بل بالثبات والعمل. عرفوا أن العبور لا يكون بالقفز، بل بخطواتٍ متتابعة، حتى وإن بدت بطيئة.
لقد مرّوا بما يكفي ليعرفوا أن الطريق ليس مستقيمًا، وأنه كثيرًا ما يلتف حول نفسه، ويضعهم أمام اختباراتٍ قاسية. لكنهم، رغم ذلك، لم يفقدوا القدرة على المضي. في كل مرةٍ ظنّوا أنهم بلغوا النهاية، اكتشفوا أن الطريق يمتد، وأن الرحلة لم تكتمل بعد. ومع ذلك، لم يتوقفوا، لأنهم أدركوا أن التوقف هو الخسارة الحقيقية.
يمضون وهم يحملون في داخلهم إيمانًا لا يُرى، لكنه يُحسّ في خطواتهم. إيمان بأن الطريق، مهما طال، سيقود إلى معنى، وأن التعب، مهما اشتد، سيصنع قوة. لا يملكون ترف اليأس، ولا مساحة للتراجع، لأن ما وراءهم لا يشبه ما ينتظرهم، ولأن العودة لم تعد خيارًا ممكنًا.
وهنا، يا سيدي، لا يعود السؤال: هل يسمع الآخر؟
فالسائر في طريقه لا يحتاج لمن يسمعه بقدر ما يحتاج لمن يفهمه، وإن لم يجد، اكتفى بيقينه. يصبح السؤال الحقيقي: هل نواصل رغم كل شيء؟ وهل نملك الشجاعة لنكمل الطريق، حتى حين يبدو غير الطريق؟





