مقالات

حكومة شمال كردفان والتكايا: حين تتحول المسؤولية إلى فعل في زمن الحرب

سعاد سلامة تكتب | همس البوادي

في واحدة من أكثر اللحظات قسوة وانكشافًا في تاريخ البلاد حيث لم تكتفِ الحرب بتدمير المدن والقرى بل أمتدت لتنهش في الروح الجمعية وتفتك بالأمن الغذائي والاجتماعي تقف ولاية شمال كردفان في قلب عاصفة إنسانية معقدة عنوانها الأبرز النزوح والجوع وانهيار سبل العيش وفي هذا المشهد المثقل بالألم تبرز حكومة الولاية كمحاولة جادة للإمساك بخيط الأمل لا عبر الشعارات بل من خلال فعل مباشر يستهدف الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة.

التكايا التي أعادت حكومة شمال كردفان إحياءها ووسّعت نطاقها بصورة لافتة لم تعد مجرد فعل إحساني عابر أو مبادرة موسمية مرتبطة بشهر رمضان بل تحولت إلى سياسة اجتماعية اضطرارية وملاذ أخير لعشرات الآلاف من الأسر التي لفظتها الحرب من قراها ومدنها لقد أصبحت التكايا في هذا السياق جزءًا من معركة البقاء وخط دفاع اجتماعي في وجه الانهيار الكامل الذي يهدد الفئات الأضعف.

تدشين الوثبة العاشرة للتكايا بقيادة الاستاذعبد الخالق عبد اللطيف وداعة الله والي شمال كردفان لم يكن حدثًا بروتوكوليًا بل إشارة واضحة إلى إدراك حكومة الولاية لحجم الكارثة المعيشية المتفاقمة ومحاولة جادة للتعامل مع نتائجها المباشرة في ظل غياب الحلول الشاملة وتعقيدات المشهد الأمني والسياسي إنه اعتراف عملي بأن الحرب لم تترك للمواطن خيارات وأن الدولةفي حدها الأدنى مطالبة بأن تكون حاضرة حيث يغيب كل شيء.

في شهر الرحمة،لم تنتظر حكومة شمال كردفان اكتمال التسويات الكبرى أو انفراج الأفق السياسي بل تحركت بما هو متاح واضعة الإنسان في صدارة الأولويات ومتجاوزة حسابات الشكل والربح السياسي استهداف أكثر من مائة ألف أسرة خلال شهر رمضان لا يمكن قراءته فقط باعتباره دعمًا غذائيًا بل رسالة أخلاقية وسياسية عميقة مفادها أن الحكومة رغم محدودية الموارد اختارت الانحياز للمواطن لا تركه فريسة للجوع واليأس

التكايا هنا لم تكن قدور طعام فحسب بل كانت استعادة لمعنى الدولة في أضعف تجلياتها وتجسيدًا لمسؤوليتها تجاه النازحين الذين ازدحمت بهم المدن والقرى بعد أن ضاقت بهم أرضهم الأصلية كما أنها عكست صورة لشراكة حقيقية بين أجهزة الدولة والمجتمع المحلي والداعمين في محاولة لردم فجوة إنسانية اتسعت بفعل الحرب وانهيار سلاسل الإمداد وغياب الاستقرار

ما أعلنه مفوض العون الإنساني دمحمد اسماعيل عن استفادة أكثر من (750) ألف فرد من هذه التدخلات لا يكشف فقط عن حجم الاحتياج المهول بل يسلط الضوء على الضغط الهائل الواقع على حكومة الولاية ويُظهر في الوقت ذاته حجم الجهد المبذول لتوسيع رقعة الاستجابة رغم شح الموارد وتعقيدات الواقع الأمني وهي أرقام لا تُقرأ بمعزل عن السياق بل تضع حكومة شمال كردفان أمام مسؤولية تاريخية وتشهد لها في الوقت نفسه بحضور فعلي في الميدان لا بالاكتفاء بالتصريحات والبيانات

الإشادة هنا ليست مجاملة سياسية ولا محاولة لتجميل واقع قاسٍ بل اعتراف بأن حكومة الولاية وفي ظل ظروف استثنائية وانسداد شبه كامل في الأفق اختارت طريق الانحياز للمحتاجين واعتبرت التكايا أداة لحماية الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية وساترًا أخيرًا يمنع السقوط الحر في هاوية الجوع.

غير أن هذه الجهود مهما بلغت أهميتها تظل مرتبطة بحقيقة لا يمكن القفز فوقها أن التكايا تعالج الأعراض لا المرض وأن إنهاء الحرب يظل العلاج الجذري الوحيد القادر على إعادة الناس إلى بيوتهم واستعادة دورة الحياة الطبيعية ومع ذلك

فاصلة
في زمنٍ تقل فيه الخيارات وتغيب فيه الحلول الكبرى تُحسب لحكومة شمال كردفان هذه الوقفة الواضحة مع مواطنيها وهذا الحضور الإنساني الذي حافظ ولو بالحد الأدنى على تماسك المجتمع وكرامة الإنسان في مواجهة الجوع والخوف
فحين تعجز السياسة عن حماية الناس يصبح الخبز موقفًا وتتحول التكايا من فعل إغاثي إلى شهادة أخلاقية على أن الدولة ممثلة في حكومتها الولائية لم تتخلَّ عن شعبها ولم تغب عن معركته اليومية من أجل البقاء.
اللهم آمِنّا في أوطاننا.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى