
في رمضان 2024 كانت القوات المسلحة على موعد مع انتصار غير مجرى الأحداث، إذ شهد التقاء جيشي الوادي وأمدرمان وتحرير الإذاعة ذلك المعلم التاريخي. وقد كان أن مهّد ذلك النصر الطريق لاحقًا لتغيير مسار المعركة. وبعد عامٍ شهد رمضان 2025 تحرير العاصمة الخرطوم إيذانًا بمرحلة جديدة في حرب الكرامة.
ويبقى الشهر الكريم كريماً على الجيش، إذ يرتبط بتحقيق انتصارات داوية وحاسمة. وخلال اليومين الماضيين، استطاعت القوات المسلحة التقدم في محور كردفان وتحرير “بارا” تلك البقعة الاستراتيجية بشمالها، حيث سيترتب على ذلك تطورات لصالح الجيش الذي يمضي صوب تحرير كامل البلاد.
محطات فاصلة
وبعد قرابة ثلاث سنوات استطاعت القوات المسلحة أن تحافظ على سيادة الدولة ورسمت أروع الانتصارات، حيث يلفظ التمرد أنفاسه الأخيرة، إذ قهر الجيش المستحيل وحرر ولايات سنار، والجزيرة، والخرطوم التي تحررت خلال النصف الثاني من شهر رمضان العام الماضي.
ويرى الباحث الاستراتيجي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية العميد الركن دكتور جمال الشهيد، بأن تكرار الانتصارات الميدانية التي تحققها القوات المسلحة السودانية في شهر رمضان المعظم لم يعد مجرد تزامن زمني عابر، بل ظاهرة تستحق القراءة والتحليل في إطار تأثير العامل المعنوي والعقدي في الحروب.
ويشير محدّثي إلى أن الدراسات الحديثة في العلوم العسكرية تؤكد أن القوة القتالية لأي جيش لا تُقاس فقط بما يمتلكه من تسليح أو تفوق تكنولوجي، بل تتشكل أيضاً من عناصر معنوية ونفسية تمثل ركيزةً أساسية في معادلة الصراع.
وفي هذا السياق يبرز شهر رمضان باعتباره ظرفاً زمنياً تتعاظم فيه الروح المعنوية لدى المقاتلين، خاصة في الجيوش التي تقوم عقيدتها القتالية على منظومة قيمية ووطنية راسخة مثل القوات المسلحة السودانية.
ويضيف العميد جمال الشهيد أن ما تحقق قبل أيام من استعادة مدينة “بارا” الاستراتيجية من قبضة ميليشيا الدعم السريع يمثل تطوراً ميدانياً مهماً في مسار العمليات العسكرية، كما يحمل في الوقت ذاته دلالات رمزية مرتبطة بتكرار التحولات العسكرية خلال هذا الشهر الفضيل. فمدينة “بارا” تمثل عقدة مواصلات حيوية في إقليم كردفان ومحور ربط جغرافياً بين عدة مناطق استراتيجية، الأمر الذي يمنح السيطرة عليها أبعاداً عملياتية مؤثرة في ميزان الحركة العسكرية في تلك الجبهة.
ويؤكد العميد جمال بأن قراءة مسار العمليات خلال السنوات الأخيرة تكشف عن تكرار ملحوظ لحدوث تحولات ميدانية مهمة خلال شهر رمضان، من بينها تحرير مواقع سيادية واستراتيجية في العاصمة الخرطوم خلال العام الماضي، إضافة إلى استعادة مبنى الإذاعة والتلفزيون وعدد من المواقع الحيوية في أعوام سابقة. وهذه الوقائع تعكس – في تقديره – حالة من التفاعل العميق بين العقيدة العسكرية للقوات المسلحة وبين البعد القيمي والروحي الذي يحمله هذا الشهر لدى المقاتلين.
ويشرح العميد الشهيد أن العقيدة القتالية للجيش السوداني تاريخياً لم تُبنَ فقط على المفاهيم العسكرية التقليدية المرتبطة بالمناورة والقدرة النارية والسيطرة على الأرض، بل ارتكزت كذلك على منظومة قيمية تعلي من مفاهيم التضحية والانضباط والصبر والثبات، وهي ذات القيم التي تتجسد بوضوح في شهر رمضان الذي يمثل مدرسة عملية في ضبط النفس والتحمل والالتزام.
وفي قراءة أعمق للبعد التاريخي للعلاقة بين شهر رمضان والتحولات العسكرية الكبرى، يقول العميد الشهيد إنّ التاريخ العسكري في العالم الإسلامي يقدم نماذج عديدة تؤكد أن هذا الشهر ارتبط في كثير من الأحيان بمحطات فاصلة في مسار الصراعات. فمعركة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة تمثل مثالاً بارزاً على انتصار تحقق رغم اختلال موازين القوى المادية، حيث استطاعت قوة محدودة العدد والعتاد أن تحقق نصراً استراتيجياً غيّر مسار التاريخ الإسلامي، مستندة إلى قوة الإيمان ووحدة الهدف والانضباط القتالي.
وتابع بأنّ هذا النمط التاريخي تكرر بصورة لافتة في العصر الحديث خلال حرب أكتوبر عام 1973 التي اندلعت في العاشر من رمضان، حين تمكنت القوات المسلحة المصرية والعربية من تحقيق مفاجأة استراتيجية كبرى عبر عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف الذي كان يُعد أحد أعقد التحصينات العسكرية في العالم آنذاك. وقد لعب العامل المعنوي المرتبط بروح رمضان دوراً مهماً في تعزيز إرادة القتال لدى المقاتلين إلى جانب التخطيط العسكري المحكم.
التحولات
وفي السياق يقول رئيس تحرير المقرن محجوب أبو القاسم إنّ تزامن الانتصارات الميدانية للجيش والقوات المشتركة والمستنفرين والمقاومة الشعبية والمخابرات والشرطة مع شهر رمضان خلال هذه الحرب اللعينة يحمل دلالات معنوية وتاريخية مهمة وتعكس روح الصبر والعزيمة التي ظلّ يتحلى بها الجيش والشعب السوداني في مواجهة التحديات وميليشيا آل دقلو المتمردة.
واعتبر أبو القاسم بأن ما تحقق في ميادين القتال خلال الشهر الكريم في أكثر من محطة من محطات القتال يؤكد أن القوات المسلحة استطاعت رغم تعقيدات المشهد العسكري والسياسي أن تستعيد زمام المبادرة بشكل تدريجي وفرض واقع جديد على الأرض ومن أبرز هذه المحطات كانت تحرير مباني الإذاعة والتلفزيون بأم درمان هو ما شكل رمزية كبيرة لأنها تعتبر من أحد معالم الدولة وذاكرتها التاريخية واستعادتها شكلت نقطة تحول مهمة في مسار العمليات العسكرية.
وكذلك تم في شهر رمضان الثاني من الحرب تقدم ملحوظ للجيش في عدد من المواقع داخل العاصمة الخرطوم وهو ما أعاد الثقة في قدرته على استعادة العاصمة ومؤسسات الدولة بعد فترة من القتال العنيف. وجاء رمضان هذا العام مبشرًا فحررت فيه مدينة “بارا” بولاية شمال كردفان والتي مثلت محطة جديدة في سلسلة الانتصارات لأنّ المدينة تعد موقع استراتيجي مهم في كردفان واستعادتها تعني تضييق الخناق على تحركات الميليشيا وقطع أحد المسارات الحيوية التي كانت تعتمد عليها.
ويواصل محجوب في معرض التعليق ويرى بأنّ هذه انتصارات الجيش في رمضان تذكر السودانيين بصفحات ناصعة البياض من التاريخ الإسلامي، حيث شهد هذا الشهر عدداً من الفتوحات الكبرى مثل معركة بدر الكبرى، وفتح مكة، وهي محطات تاريخية شكلت تحولات مفصلية في مسار الأمة الإسلامية.
وبالتالي، فإن الشهر الكريم كان دائماً شهر للانتصارات الكبرى حين تتوافر الإرادة والعزيمة وما يحدث اليوم في السودان يبعث برسائل معنوية مهمة للشعب بأن الصبر يمكن أن يقود في النهاية إلى النصر وأن معركة السودان لا تجري بمعزل عن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة لأن هناك توترات يشهدها العالم من حولنا واحتمالات اتساعها يمكن أن يعيد ترتيب أولويات الاهتمام العالمي بالسودان، وهذه التحولات قد تنعكس على طبيعة التفاعلات المرتبطة بالحرب في السودان سواء من حيث الضغوط السياسية أو أشكال الدعم المختلفة التي تتلقاها المليشيا من سلطة أبوظبي.
لذلك أقول إنّ الجيش استطاع خلال الفترة الماضية إعادة تنظيم صفوفه وفتح جبهات عمليات متعدّدة الأمر الذي مكنه من تحقيق تقدم ميداني في عدد من المناطق وستستمر هذه الفتوحات والانتصارات وسوف تقود إلى مرحلة جديدة من العمليات تهدف إلى استعادة مزيد من المدن والمناطق التي لا تزال في قبضة التمرد، وأنّ ما تحقق من انتصارات حتى الآن يعزّز ثقة الشارع في قدرة الجيش على إنهاء التمرد واستعادة استقرار البلاد، وأن الشعب السوداني ظل طوال هذه الحرب سنداً حقيقياً لجيشه.
المصدر | صحيفة الكرامة





