مقالات

جدية عثمان تكتب: مسافات من الوجع والأمل

جدية عثمان تكتب: مسافات من الوجع والأمل

 

كانت السيارة تشق  طريق العودة إلى بورتسودان ببطء يشبه إرهاق الأرواح بعد أيام أمضيناها بين مراكز الإيواء والتكايا، نسمع شكوى الناس ونرى أثر الخراب على وجوههم وبيوتهم وأيامهم. لم تكن المهمة مجرد عمل إعلامي، بل كانت رحلة إلى قلب الجرح السوداني المفتوح.

هناك، بين الأطفال الذين تسرّبت طفولتهم من بين أيديهم، والأمهات اللواتي يخفين خوفهن خلف ابتسامات لا تصمد طويلاً، والشيوخ الذين تختزن خطوط وجوههم ألف كلمة قهر، أدركت أن الحرب لم تشعل الأرض فقط… بل أطفأت الكثير في الداخل. ميليشيا عبثت بالبلاد وجنت على وطن لم يستحق هذا المصير، لكنه رغم كل ذلك ما زال واقفاً، محروساً بقيادته ومتّكئاً على إرادة شعبه التي لا تنحني.

جدية
جدية

تأملت تفاصيل حياة أنهكها الغياب؛ علاجٌ مفقود، تعليمٌ متصدع، أفراحٌ مخنوقة، ونزوح يجر خلفه مدناً تغيرت أصواتها. ومع ذلك ينهض الناس كل صباح كأنهم يصرّون على مقاومة الهزيمة، يحملون صورة للسودان كما يحبونه: قوياً، معافى، وشامخاً.

على امتداد الطريق، كانت الأرض تنبسط بصمتها الواسع. سمعتُ حفيف الرمال كأنه حديث قديم، وكأن التراب يذكّر بأن لهذه الأرض ذاكرة لا تُمحى. شعرت بجذوري تمتد عميقاً في هذا الوطن، كأنني شجرة ترفض الاقتلاع.

جدية
جدية

وحين غادرت بورتسودان وودّعت الناس، كنت أردد في داخلي: “غداً نعود كما نود.” رحلت إلى لندن جسداً فقط، أما السودان فحملته معي، كما يُحمل الاسم الذي لا يفارق. والغريب أن المسافة لا تبعد الوطن، بل تجعله أقرب إلى القلب.

في هذه الرحلة رأيت حكاية الإنسان السوداني وهو يحاول أن يعيش رغم التوتر والخوف. يبقى نبض الحياة يتقدم بلا استئذان، ويظل الإيمان ملاذ الناس، والصبر سندهم، والأمل جسرهم نحو الغد.

نعم، هذا البلد مجروح، لكنه شامخ—بشعبه، وبقيادته التي تحرس وحدته. وسيظل حياً مهما حاولت الميليشيا أن تعصف به. فالوطن لا يسقط… خصوصاً حين نحمله معنا أينما ذهبنا.

 

جدية
جدية

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى