
مع تقدمنا في العمر، تزداد أهمية قدرتنا على العيش باستقلالية، وهو أمر يتطلب الحفاظ على الصحة البدنية والعقلية معاً. وفي ظل الارتفاع الملحوظ في معدلات الإصابة بالخرف (وهو مصطلح مظلي للاضطرابات الدماغية التقدمية مثل الزهايمر)، يبحث العلماء دائماً عن حلول وقائية فعالة. وتؤكد الأبحاث أن خطط تقليل خطر التدهور المعرفي تبدأ من ممارسات بسيطة ومتاحة للجميع، وأبرزها طريقة حركتنا، وتحديداً: سرعة المشي.
وفي هذا السياق، فحص باحثون من عدة جامعات في نيويورك بيانات مستمدة من ثلاث دراسات طولية شملت نحو 4,000 مشارك ممن تبلغ أعمارهم 80 عاماً أو أكثر عند بداية البحث، ولا يحملون أي تشخيص إكلينيكي بالخرف. واعتمدت الدراسة على اختبارات مشي مؤقتة، وفحوصات تصوير الدماغ، واختبارات معرفية دقيقة للمقارنة بين فئتين من كبار السن.
نتائج مذهلة: المشي السريع يحمي الذاكرة بنسبة 50%
عرّف الباحثون “المتحركين الفائقين” (Super Movers) بأنهم الأشخاص الذين تزيد سرعة مشيهم بمقدار 1.5 انحراف معياري عن متوسط سرعة أقرانهم من نفس العمر. وجاءت النتيجة الأبرز لتبين دور السرعة في تقليل خطر التدهور المعرفي؛ حيث أظهرت النتائج أن المتحركين الفائقين لديهم خطر أقل للإصابة بالاختلال المعرفي بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالمشاة العاديين.
ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، بل أظهر المشاة السريعون معدلات أبطأ بكثير في تدهور الذاكرة والوظائف الإدراكية الأخرى. وبيّنت أشعة الدماغ امتلاكهم حجماً أكبر من المادة الدماغية في منطقة “الحصين” (Hippocampus)، وهي الجزء المسؤول بشكل محوري عن ترسيخ الذاكرة في المخ، إلى جانب تسجيلهم معدلات إصابة أقل بمرض الزهايمر.
التفسير العلمي: كيف تحمي السرعة خلايا الدماغ؟
تساهم زيادة كثافة المشي وسرعته في تعزيز تدفق الدم وضخه بقوة أكبر إلى سائر أعضاء الجسم بما في ذلك خلايا الدماغ. كما أن الحركة السريعة تحفز إفراز بروتين (BDNF)، وهو عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ والضروري للحفاظ على الإدراك الصحي وتجديد الخلايا. بالإضافة إلى ذلك، فإن زيادة سرعة المشي تفرض تلقائياً تأرجحاً طبيعياً ومنتظماً للذراعين، مما يساهم في تشغيل وإشراك أجزاء إضافية ومتعددة من الدماغ، علماً بأن قلة حركة الذراعين وتغير طبيعة المشية تعدان من المؤشرات المبكرة للتدهور المعرفي.
نصائح عملية لتطبيق نتائج الدراسة في حياتك اليومية
إذا كنت تبحث عن آلية مجانية وفعالة لضمان تقليل خطر التدهور المعرفي وحماية عقلك، فإليك خطوات عملية لتطوير مهارة المشي:
- للمبتدئين: ابدأ بجولات مشي قصيرة لعدة مرات في الأسبوع، واجعل المدة والشدة متوافقتين مع لياقتك الحالية، ثم زدها تدريجياً.
- للمشاة المنتظمين: حان الوقت لرفع الكفاءة عبر إدخال “التدريب الفتري” (Intervals)، من خلال زيادة السرعة في دفعات قصيرة وسريعة أثناء المشي، أو اختيار مسارات تحتوي على تلال ومرتفعات لزيادة الجهد البدني.
- النهج الشمولي: لتعظيم النتائج، يوصي الخبراء بنوم عالي الجودة لمدة 7 إلى 8 ساعات ليلاً، وإدارة مستويات التوتر، والتواصل الاجتماعي المستمر، واتباع حمية “مايند” (MIND diet) الغذائية المضادة للالتهابات والمخصصة لصحة الدماغ.
اقرأ أيضاً على موقعنا:





