بهدوءٍ وتدبّر .. محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب :الموجة القادمة.. قراءة في تحولات الذكاء الاصطناعي والعمل والقيمة الإنسانية

بهدوءٍ وتدبّر .. محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب :الموجة القادمة.. قراءة في تحولات الذكاء الاصطناعي والعمل والقيمة الإنسانية
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة تقنية مساعدة، ولا إضافةً تحسينـيّة إلى ما اعتادته البشرية من وسائل الإنتاج والمعرفة، بل أصبح موجةً كاسحة تعيد تشكيل مفاهيم القوة والسيادة والعمل والعلم معًا. هذه الحقيقة لا تصدر عن تنظيرٍ أكاديمي بعيد، بل عن
شهادةٍ من داخل غرفة القيادة نفسها، كما يقدّمها بوضوح وجرأة مصطفى سليمان في كتابه المعروف الموجة القادمة (The Coming Wave)، وهو كتاب لم يلفت انتباه القرّاء وحدهم، بل استوقف دوائر القرار الدولية، حتى وصفه بيل غيتس بأنه من أكثر الكتب التي ينبغي أن يقرأها قادة الدول وصنّاع السياسات.
وسليمان لا يتحدث من موقع المراقب أو الواعظ، بل من موقع من عاش التحوّل وصنعه. فقد شارك في تأسيس ديب مايند (DeepMind)، أحد أخطر وأهم مختبرات الذكاء الاصطناعي في العالم، ويقود اليوم ملفات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في مايكروسوفت (Microsoft)، من دون أن يكون قد سلك المسار الأكاديمي التقليدي؛ إذ ترك الجامعة في سن مبكرة، واعتمد على التعلم الذاتي، والخبرة العملية، والعمل
المباشر في قلب المشكلات. وهذه المفارقة ليست تفصيلًا عابرًا، بل تعبير دقيق عن روح العصر: فالقيمة، في زمن التحولات المتسارعة، باتت تُقاس بالأثر والقدرة على الإنجاز، لا بالمسار الورقي وحده. وهو في ذلك لا يشكّل استثناءً؛ فقد سبقه بيل غيتس الذي ترك جامعة هارفارد، وستيف جوبز الذي غادر التعليم
الجامعي ليؤسس آبل، ومارك زوكربيرغ الذي ترك هارفارد ليبني فيسبوك، بينما تشكّلت المسيرة العملية لروّاد كُثُر عبر التجربة والمخاطرة والإنجاز. ولا يعني ذلك التقليل من شأن التعليم المنهجي، بل إعادة تعريف موقعه بوصفه أحد المسارات الممكنة لصناعة الكفاءة، لا المسار الوحيد، في عالمٍ تتبدّل قواعده بسرعة غير مسبوقة.
يضع سليمان العالم أمام موجتين تتقدمان بوتيرة واحدة: موجة الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، وموجة البيولوجيا التركيبية (Synthetic Biology)، حيث لم يعد الإنسان يكتفي بفهم الحياة، بل صار قادرًا على إعادة برمجتها. ومن هنا يتحدث عن مستقبلٍ قد يبدو
خياليًا، لكنه قائم على وقائع تقنية جارية بالفعل: تعليم شخصي مصمم لكل فرد، وطب دقيق يعتمد على الشيفرة الجينية، واكتشاف أدوية في أشهر بدل عقود. والمقصود هنا تحديدًا أن مرحلة الاكتشاف والتصميم الأولي للأدوية—التي كانت تستغرق
تقليديًا عشرًا إلى خمس عشرة سنة بين البحث والتجارب—باتت، بفضل النماذج الذكية القادرة على تحليل ملايين التركيبات الكيميائية والبيولوجية بسرعة هائلة، تُختصر إلى شهور معدودة، قبل الانتقال إلى المسارات التنظيمية والسريرية الصارمة، من دون إلغاء متطلبات السلامة أو التحقق العلمي. الزمن نفسه لم يعد كما كان.
غير أن الوجه الآخر لهذه الصورة لا يقل حضورًا؛ فالتقنيات ذاتها القادرة على إنقاذ ملايين الأرواح يمكن أن تُستخدم لتصميم فيروسات مدمّرة، أو أسلحة ذاتية التشغيل، أو أنظمة مراقبة خانقة، أو نماذج ذكاء اصطناعي تعيد كتابة قواعدها دون رقابة
بشرية مباشرة. وهنا يطلق سليمان تحذيره المركزي: الخطورة لا تكمن فقط في قوة هذه التقنيات، بل في سهولة الوصول إليها، وانخفاض كلفتها، وقابليتها للتطوير في أي مكان، ما يجعل احتواءها بالأساليب التقليدية شبه مستحيل. لذلك يدعو إلى مفهوم «الاحتواء المستمر (
Continuous Containment)»، أي منظومة تنظيمية وأخلاقية مرنة تتطوّر بلا توقف، لأن التقنية نفسها لا تتوقف، مع إقرارٍ بأن سباق الشركات والدول كثيرًا ما يسبق القوانين والأطر الناظمة.
وفي قلب هذا المشهد يطرح سليمان ما يمكن تسميته بحرب القيم (Values War)، مؤكدًا أن التقنية ليست حيادية، وأن من يملك البيانات ويصمّم الخوارزميات يزرع فيها رؤيته للعالم، فتتحول المنافسة من سباق تقني على السرعة والقدرة إلى صراع أعمق على تشكيل الوعي والثقافة ومعنى الإنسان ذاته.
هذا التحول العميق لم يبقَ حبيس السياسة والأمن والمعرفة، بل انعكس مباشرة على سوق العمل، حيث بدأت تتآكل مركزية الشهادة الجامعية لصالح ما يُعرف بالتوظيف القائم على المهارات (Skills-Based Hiring). فشركات عالمية كبرى مثل غوغل
(Google) وآي بي إم (IBM) وآبل (Apple) أعلنت صراحة تقليل اعتمادها على الشهادات الجامعية في عدد متزايد من الوظائف، مفضّلة الاختبارات العملية، والمشاريع المنجزة، والقدرة على
حل المشكلات الواقعية، لأن سوقًا يتغيّر بوتيرة الخوارزميات لا ينتظر مناهج بطيئة، ولا يكافئ الحفظ النظري بقدر ما يكافئ القدرة على الفعل.
ولم تكن المملكة العربية السعودية بعيدة عن هذا المسار، إذ بدأت، مدفوعة بتحولات كبرى مثل رؤية السعودية 2030 (Saudi Vision 2030)، في
إعادة تعريف معايير التوظيف والتعليم، مع تصاعد الطلب على المهارات التقنية، والتدريب المهني، والدورات القصيرة المتخصصة، واتساع الاقتصاد غير النفطي، بما يجعل الكفاءة العملية، لا الشهادة وحدها، بوابة الفرص الأولى في سوق عملٍ يتشكّل على إيقاع التحول الرقمي.
في المحصلة، لا يقدّم كتاب «الموجة القادمة» نبوءة نهاية ولا دعوة إلى الذعر، بل تحذيرًا عقلانيًا واستنهاضًا مبكرًا. فالموجة قادمة لا محالة، وسوق العمل يتغيّر بالسرعة نفسها، والقيمة الحقيقية لم تعد
حبيسة الشهادة، بل في القدرة على التعلّم المستمر، والتطبيق العملي، وصناعة الأثر. وفي عالمٍ تتقدّم فيه الخوارزميات أسرع من القوانين، يصبح السؤال الجوهري ليس: ماذا نملك من أوراق؟ بل: ما الذي نستطيع فعله حين تتغيّر قواعد اللعبة فجأة؟





