مقالات

بهدوءٍ وتدبّر  محمد عثمان الشيخ النبوي :  نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (11 من 26): اقتصاد القرية المتكامل… حين يعمل المجتمع كله في منظومةٍ واحدة

 

 

🔴 تنبيه منهجي:
يقوم هذا الطرح على أن  صلاح البيئة العامة  للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.

إذا كانت بعض النماذج السابقة قد ركزت على نشاطٍ بعينه، كالمحصول المتخصص، أو النباتات الطبية والعطرية، أو الحرف المنزلية، أو الزراعة حول البيوت، فإن صورةً أوسع من صور النهضة القروية تظهر حين لا يعمل كل نشاطٍ وحده في جزيرةٍ منفصلة، بل يدخل ضمن اقتصادٍ قرويٍّ متكامل، تتساند فيه الحلقات، ويتغذى بعضها من بعض، ويصبح المجتمع كله شريكًا في حركة إنتاجٍ واحدة متشابكة.

والمقصود باقتصاد القرية المتكامل ليس مجرد كثرة الأنشطة داخل القرية، ولا مجرد وجود زراعةٍ وثروةٍ حيوانيةٍ وبعض الحرف في مكانٍ واحد، لأن هذا قد يوجد فعلًا دون أن ينتج نهضةً حقيقية. وإنما المقصود هو أن تكون هذه الأنشطة مرتبطة على نحوٍ يجعل مخرجات أحدها مدخلاتٍ لغيره، ويجعل القيمة تتولد داخل القرية في أكثر من مرحلة، بدل أن تخرج سريعًا إلى خارجها.

فالقرية التي تنتج محصولًا، ثم تستخدم جزءًا منه علفًا أو مادةً أوليةً لنشاطٍ آخر، ثم تستفيد من مخلفات الحيوان في التسميد، ثم تحول جزءًا من الإنتاج إلى منتجٍ منزليٍ مصنّع، ثم تبيع الفائض بصورةٍ منظمة، تكون قد بدأت في بناء منظومةٍ اقتصاديةٍ أقوى بكثير من قريةٍ ينتج كل فردٍ فيها شيئًا منفصلًا ثم يبيعه خامًا وينتهي الأمر. والفرق بين الحالتين ليس في حجم الموارد وحده، بل في طريقة الربط بينها، وفي القدرة على إبقاء القيمة داخل القرية أطول مدةٍ ممكنة.

ومن هنا فإن الاقتصاد القروي المتكامل لا يعني أن القرية تُنتج كل شيء، ولا أن تسعى إلى اكتفاءٍ كاملٍ في جميع الأبواب، فهذا غير واقعي، وقد يعيدها إلى التشتت الذي نحذر منه. وإنما يعني أن تُحسن وصل ما يمكن وصله من الأنشطة، وأن تُضيف ما تستطيع إضافته من حلقاتٍ تحفظ العائد، وتقلل الهدر، وتزيد من بقاء الربح داخل المجتمع المحلي. فالتكامل ليس نقيض التخصص، بل هو امتداده الطبيعي إذا أُدير بوعي.

وليس هذا التصور نظريًا محضًا؛ فقد أظهرت تجربة موثقة في الصين، شملت مئات القرى، أن ربط الإنتاج بالتسويق، وتحسين بعض البنية التحتية، وإدخال حلقات من التجهيز أو التخزين أو التعبئة، يرفع الأثر الاقتصادي بوضوح. والعبرة هنا ليست في نقل التجربة كما هي، بل في فهم مبدئها: أن نهضة القرية تقوى حين تُبنى بوصفها منظومة، لا بوصفها أنشطة متفرقة.

ومن أوضح صور هذا التكامل أن النشاط الزراعي لا يبقى محصورًا في الحقل، بل يتصل بالتخزين، والتجفيف، والصناعات الغذائية الصغيرة، وتربية الحيوان، والتسميد العضوي، والنقل، والتسويق. وكذلك الحرف المنزلية لا تبقى معزولة، بل قد تقوم على خاماتٍ تنتجها القرية، أو تخدم قطاعًا زراعيًا أو معيشيًا قائمًا فيها. والزراعة المنزلية نفسها قد تغذي الأسرة، وتوفر شتولًا، وتدعم السوق المحلي، وتصبح حلقةً في شبكةٍ أوسع من تبادل المنافع.

وهنا يظهر معنى مهم ينبغي ألا يغيب: أن التكامل الناجح لا يبدأ من محاولة بناء منظومةٍ ضخمة دفعةً واحدة، بل من تحديد النشاط المحوري أولًا، ثم البحث عن الأنشطة أو الخدمات أو التحويلات التي تخدمه وتزيد قيمته. فوجود نشاطٍ محوري واضح، تتجمع حوله حلقات خادمة، خيرٌ من كثرة أنشطةٍ لا يجمعها منطق واحد.

كما أن هذا الاقتصاد المتكامل يوسع دائرة المشاركة داخل المجتمع المحلي. فليس كل أهل القرية سيزرعون، وليس كلهم سيصنعون، وليس كلهم سيسوقون، لكن كل فئة تستطيع أن تجد لنفسها موضعًا في المنظومة: من ينتج، ومن يفرز، ومن يعبئ، ومن ينقل، ومن يبيع، ومن يصنع، ومن يدير الحساب، ومن يتابع الجودة. وبهذا لا تبقى النهضة شأنًا خاصًا بفئةٍ واحدة، بل تصبح جهدًا جماعيًا تتوزع فيه الأدوار وتتكامل.

ومن مزايا هذا النموذج أنه يزيد قدرة القرية على الصمود. فالقرية التي تعتمد على مصدرٍ واحدٍ منعزل تكون أكثر عرضةً للاضطراب إذا تراجع هذا المصدر أو تعثر. أما حين توجد روابط بين أكثر من نشاط، فإن بعض الحلقات قد تعوض بعضًا، ويصبح الاقتصاد المحلي أكثر تماسكًا. وهذا لا يلغي المخاطر، لكنه يخفف من حدتها، ويمنح المجتمع مرونةً أكبر في التكيف.

والأهم من ذلك أن التكامل الاقتصادي يساعد على إبقاء جزءٍ أكبر من العائد داخل القرية. فكلما خرجت المادة الخام مبكرًا، خرج معها جزء معتبر من الربح. أما إذا بقيت داخل القرية فترةً أطول، ودخلت عليها خدماتٌ أو أعمالٌ أو تحويلاتٌ أو تعبئةٌ أو بيعٌ منظم، فإن حصة القرية من القيمة ترتفع. وهذا من أسرار الفرق بين اقتصادٍ محدود الموارد في ظاهره لكنه حسن التنظيم، واقتصادٍ أوفر موارد في ظاهره، لكنه يبدد قيمة موارده لضعف التنظيم.

غير أن الوصول إلى هذا المستوى لا يتم بالعفوية، بل يحتاج إلى نظرٍ منظم: ما الأنشطة الموجودة؟ ما الذي يمكن ربطه بما؟ أين يخرج الهدر؟ أين تُفقد القيمة؟ ما الحلقة الناقصة التي لو وُجدت لاختلف الأثر؟ فقد تكون القرية تملك الإنتاج، لكنها تفتقد التخزين. أو تملك الإنتاج والتخزين، لكنها تفتقد التعبئة. أو تملك ذلك كله، لكنها تفتقد التنسيق والتسويق. وهنا تكون النهضة في سد الحلقة الناقصة، لا في البدء من الصفر.

ومن الحكمة كذلك ألا يُبنى هذا التكامل دفعةً واحدة، لأن ذلك قد يربك الناس ويُثقل المشروع فوق طاقته. وإنما الأوفق أن يبدأ المجتمع بحلقتين أو ثلاثٍ واضحات مترابطات، ثم تتوسع المنظومة تدريجيًا كلما استقرت خبرتها وظهرت نتائجها. فالتكامل الناجح لا يُولد كبيرًا، بل ينمو كما تنمو الشجرة: أصلٌ ثابت، ثم فروعٌ تتكاثر على مهل.

إن اقتصاد القرية المتكامل يعلّمنا أن النهضة ليست مجرد زيادةٍ في الإنتاج، بل حسن ترتيبٍ لحركة الموارد والجهود داخل المجتمع. فحين تعمل الأسرة، والحقل، والحرفة، والتخزين، والخدمة، والتسويق، ضمن منطقٍ واحد، تصبح القرية أقدر على توليد

الدخل، وأقل تعرضًا للهدر، وأقرب إلى الاستقرار.
ومن هنا فإن القرية التي تريد نهضةً حقيقية  لا يكفيها أن تسأل: ماذا ننتج؟ بل ينبغي أن تسأل أيضًا: كيف نربط ما ننتجه بما بعده؟ وكيف نجعل بعضنا يُكمل بعضًا؟ وكيف نُبقي القيمة في داخلنا أطول مدةٍ ممكنة؟ فهذه الأسئلة هي التي تنقل المجتمع من مجرد العمل إلى العمل المتكامل.

فالنهضة القروية لا تقوى بكثرة الجهود المتجاورة، بل بقوة الصلات بينها.
وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل إلى الخطوة التالية في هذا المسار، وهي خطوة شديدة الأهمية، لأنها تتعلق بزيادة العائد من نفس الجهد، لا بمجرد زيادة الكمية:
القيمة المضافة في النماذج الواقعية… كيف يتضاعف الربح؟

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى