بروفيسور محمد الفاتح محمد سعيد يكتب .. الإمدادات الطبية… إرث دولة راسخ وباقٍ بإذن الله

بروفيسور محمد الفاتح محمد سعيد يكتب .. الإمدادات الطبية… إرث دولة راسخ وباقٍ بإذن الله
الإمدادات الطبية صرح عريق وركن أساسي في تأمين الدواء والمستلزمات الصحية لكل أهل السودان، وهي بحق حجر زاوية في منظومة الصحة بالبلاد. وأشعر بالفخر أنني كنت في فترة من الفترات جزءاً من هذا الصرح، حين توليت إدارة قسم الإمداد الإلكتروني عام 2010، وهو قسم مستحدث آنذاك ضمن خطة تطوير الإمدادات. كانت تلك التجربة محطة فارقة في مسيرتي المهنية، ورغم خلو طرفي من هذه المؤسسة العريقة منذ سنوات طويلة لكن لم تنقطع صلتي بها خلال زياراتي المتعددة للسودان قبل الحرب، لما يربطني بالزملاء من احترام ومودة صادقة ومتبادلة.
يزداد الفخر اليوم عندما استمعتُ إلى المدير التنفيذي للإمدادات الطبية، الاخ والصديق د. شيخ الدين عبدالباقي، يروي قصة بطولية تُكتب بماء الذهب… قصة إنقاذ 11 سيرفر يحمل النظام الإلكتروني كاملاً بقيمة تقديرية تقارب خمسة ملايين دولار، وذلك في ذروة سيطرة الجنجويد على أجزاء واسعة من الخرطوم، بينما كانت المباني المجاورة مكتظة بالقناصة.
تكمن أهمية هذه السيرفرات في أنها تشغّل نظام إدارة الإمداد الطبي في كل السودان، إضافة إلى النظام الإلكتروني للصندوق بما يشمله من مخزون دوائي وعاملين ونظام لوجستي؛ فهي القلب النابض للإمدادات الطبية.
انطلقت عملية الاسترداد بتنسيق مع قيادة المدرعات، وتقدم بطلان من موظفي الامدادات الطبية(دون ذكر الأسماء حتى لا نقصم ظهرهم)، وكان برفقتهم الشهيد مهند الفضل – رحمه الله رحمة واسعة. تحرّكت المجموعة ليلاً من السلاح الطبي دون أي إضاءة، عبر المراكب نحو الري المصري، ثم تقدمت تحت حماية بعض أبطال المدرعات حتى مباني الإمدادات.

وفي لحظة حاسمة، كان عليهم عبور شارع الظلط الفاصل بين المباني الجنوبية والشمالية للامدادات الطبية، وهو شارع مكشوف تماماً لرصد قناصة الجنجويد في الاستراتيجية ومجمع خدمات الجمهور بالقسم الجنوبي للشرطة. استخدموا أسلوب الـ Cross في العبور: يتحرك كل اثنين بفاصل عشرة أمتار وفي اتجاهين مختلفين لتشتيت انتباه القناص. وبفضل الله، تمكنوا من الوصول إلى السيرفرات، وفكّها، ونقلها، وإعادة تركيبها وتشغيلها في المقر الحالي ببورتسودان.
لم تكن المهمة مجرد عمل تقني؛ بل معركة مدنية كاملة الأركان، لا تقل خطورة أو قيمة عن أي مواجهة عسكرية. وقد أثبت فيها أبطال الامدادات الطبية أنهم سند الدولة حين تشتد المحن، يعملون في الظل، بعيداً عن الصخب، فقط لأن الوطن يستحق.
ورغم قسوة الحرب وما حملته من مآسٍ، إلا أنها حملت بعض جوانب المنّة. فقد ساهمت في تعزيز النظام الصحي بالولايات، عبر إنشاء أربع غرف محورية (Hubs) تمثل نسخاً احتياطية مكتملة لمنظومة الإمدادات، موزعة كالتالي:
– مدني: تخدم ولايات الجزيرة، سنار، النيل الأزرق، القضارف.
– عطبرة: تخدم نهر النيل، الشمالية، شمال دارفور.
– ربك: تخدم ولايات كردفان وبقية إقليم دارفور.
– بورتسودان: تخدم البحر الأحمر، كسلا، والقضارف.
ومن أهم الدروس المستفادة من هذه التجربة، وما فرضته الحرب من تحديات، هو ضرورة ترسيخ العمل المؤسسي طويل المدى، وهو ما تُرجم عملياً في إصدار الاستراتيجية القومية للاستجابة الإنسانية والإصلاح والتعافي في السودان ٢٠٢٤-٢٠٢٨:
Sudan National Humanitarian Response, Reform and Recovery Supply Chain Strategy for Pharmaceuticals and Health Products 2024–2028
وهي خطوة مفصلية تضع أسساً واضحة لإصلاح منظومة الإمداد الطبي وتعزيز جاهزيتها.
كما أسهمت المنظمات الدولية في دعم هذا التوجه، ومن ذلك تبرع UNFPA بنظام تبريد متكامل لحفظ اللقاحات والأدوية الحيوية في بورتسودان، بعد أن كان متوفراً سابقاً فقط في رئاسة الإمدادات بالخرطوم.
تم كل ذلك بدعم وتفهم قيادة الوزارة، ممثلة في الوزير د. هيثم محمد، والوكيل د. علي بابكر، ومدير الإمدادات د. بدر الدين الجزولي، وقدرتهم على التعامل مع تحديات الحرب وتجاوزها بحلول عملية وواقعية.
نسأل الله أن ينصر السودان وأهله وجيشه وقواته المساندة، وأن يكتب له الأمن والاستقرار، وأن يحفظ أبناءه المخلصين الذين يحمون الوطن… في جبهات القتال، وفي جبهات الخدمة المدنية.





