مقالات

بردة النور وسيف البيان: مخاض القصيدة العربية بين فصاحة الجاهلية وهدي النبوة

ابوعبيدة الفادني يكتب |

مدخل
المنافسة الثقافية والتحول: كيف كان الإسلام تحدياً لغوياً وبلاغياً لشعراء المعلقات.
​سيميائية “البردة” الرمزية: دلالة انتقال البردة من النبي ﷺ إلى الشعراء ثم إلى الخلفاء كرمز للحكم والعدل.
​القيم القتالية والصورة الفنية: تحليل لمقاصد كعب في وصف الرسول ﷺ بـ “النور” و”السيف”، ومدح شجاعة المهاجرين.
التأويل في نصوص البردة
​قبل الحديث عن الأدب العرفاني، لا بد من شرح كلمة “عرفان”؛ فهي ككثير من المصطلحات التي قد تكون معروفة لدى كثيرين، لكنها مجهولة عند آخرين، وقد يشوب معناها بعض الغموض.

​العرفان هو مصطلح مرتبط بطبيعة الروح والمعرفة الروحية المتصلة بالتصوف والسلوك الروحي، كمنهج للتدين عن طريق الكشف والإلهام. ويعتبر الأدب الإبداعي -شعراً ونثراً- الخطاب الأكثر شهرة وتلقياً في الثقافة الإسلامية؛ فإذا سألت أحدهم عن “البردة“، لتلا عليك بردة البوصيري:
​أَمِن تذكّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ … مزجتَ دمعاً جرى من مقلةٍ بدمِ
أم هبت الريحُ من تلقاء كاظمةٍ …

​سنبدأ بالتحليل السردي لـ “البُرَد” (وهو جمع بردة). إذن، سينصبّ مجمل قولنا على ثلاثة شعراء جادت قريحتهم بأجمل الأشعار، وكان لها من ناصية البلاغة شأن عظيم ومرتبة عالية، يصلح أن نطلق عليها “العرائس الحسان”، كما أطلق الحلاج (القتيل) هذا الوصف على مكتوباته التي صنفها وسماها “الطواسين”.
​أولى البُرَد: كعب بن زهير
​أولى البرد، أو ما يمكن تسميتها “بردة كعب بن زهير بن أبي سلمى”. وهنا لا بد من قولٍ قد لا يكون ظاهراً أو متبادراً للذهن: إن كعباً هو أول ناظم لهذا النهج الذي جرت تسميته بنهج البردة، وهي أقصر القصائد التي كتبت في هذا المعنى نظماً.

 

​ثانياً: إن الأربعين بيتاً (الأولى) لم تكن محض مدح، بل كانت رثاءً لحياته التي عاشها في جاهليته. حتى “سعاد” التي بدأ بها قصيدته؛ فبالمعنى الحرفي تُفهم على أنها محبوبته، ولكن إذا قرأناها على سبيل المجاز، فهي حياته التي عاش في رغدها فانقلبت عليه بعد ظهور الإسلام. لم يكن هجاؤه ناتجاً عن رفض لفكرة دين جديد بقدر ما كان “منافسة ثقافية” على مستوى اللغة؛ فالتهديد كان شخصياً بالنسبة لكعب.
​وتتمة الأبيات الأولى تعبر عن هذه الدلالة؛ فقد شبه حياته التي عاشها مفتخراً بناصية البلاغة -والتي أنتجت شعراً وجد به أجزل النوال من الحكام ورفعة القوم- بتبدل الزمان إلى عهد جديد تبدلت فيه الأحوال. ظهر عامل جديد أخذ من الشعر وظيفته وأبعده عن دور المنافسة، فلم يعد للشعر مجال سوى الدوران في فلكه. فأصبحت حياته كـ “سعاد” التي تبدلت علاقتها به، ويظهر ذلك في المقابلة بين زمانين متضادين. انظر إلى قوله في زمانه الأول:

​بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ … متيمٌ إثرها لم يُفدَ مكبولُ
وما سعادُ غداةَ البين إذ رحلوا … إلا أغنُّ غضيضُ الطرفِ مكحولُ
هيفاءُ مقبلةً عجزاءُ مدبرةً … لا يُشتكى قِصَرٌ منها ولا طولُ
​ثم انظر إلى قوله مصوراً التقلب:
​يا ويحها خُلةً لو أنها صدقت … ما وعدت أو لو أن النصحَ مقبولُ
لكنها خُلةٌ قد سيطَ من دمها … فجعٌ وولعٌ وإخلافٌ وتبديلُ
فما تدوم على حالٍ تكونُ بها … كما تلونُ في أثوابها الغولُ
وما تمسكُ بالوصل الذي زعمت … إلا كما تُمسكُ الماءَ الغرابيلُ

​لحظة التحول والبرد الرمزية
​لم يمدح النبي ﷺ إلا في البيت الأربعين، مسترسلاً في وصف ما قيل فيه من أقاويل، وكيف فقد النصرة ودخل المسجد متلثماً مستمسكاً بالحياة مع احتمال الموت المحقق، وذلك في قوله:
​كُلُّ ابنِ أُنثى وَإِن طالَت سَلامَتُهُ … يَوماً عَلى آلَةٍ حَدباءَ مَحمولُ
​فلم يجد من يجيره، حتى أخوه “لم يجيره” نصحه بأن يأتي النبي معتذراً، وحتى قبيلته “مزينة” لم تقبل جواره. يظهر ذلك في نظم الأبيات قبل أن يثني على النبي ﷺ، الذي لم يكن مهتماً بمدحه بقدر اهتمامه بالأمان الذي يبحث عنه. فأهداه النبي بردته، فأجزاه كرماً على كرم، وأصبحت البردة فخراً لكل الشعراء والملوك إبان الحضارة الإسلامية في عظمتها.

​كما ذهب تميم البرغوثي في تحليله السردي لنص البردة، فهي قد انتقلت من نبي إلى شاعر ثم إلى خليفة؛ لربط الحكم بعقيدة سياسية مستمدة من القرآن، وربط “الرحمة” بفم النبوة. وهنا يمكننا القول إن رمزية البردة في المقام الشخصي لكعب كانت فخراً يفوق الهدايا التي كانت تأتيه مقابل شعره.
​لقد شملته الرحمة النبوية، ثم أصبحت البردة تاجاً وإكليلاً، ثم اشتراها معاوية بن أبي سفيان لتكون رمزاً للحكم؛ فقد جمعت بين النبوة والعدل (أساس الحكم). وقد ختم الأبيات مؤكداً أهمية هذا “النص” الذي نافسه بقوله:
​مَهلاً هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ القرأن فيها مَواعِيظٌ وَتَفصيلُ
​الصورة الفنية والقيم

​الناظر إلى مجمل القصيدة يجد أن كعباً قد وُفّق في ترتيب الأفكار نحو مقصده بطريقة إبداعية، راسمًا لوحة فنية استخدم فيها كل أدوات البيئة لتثبيت النص عند المتلقي، شاملاً ذاكرتي الوعي والمكان. ويأتي الإبداع في تنوع الوظائف وإعطاء المعنى أكثر من دلالة؛ فعلى سبيل الحصر: “النور” و”السيف المسلول” إشارة إلى منظومة القيم التي تحكم فكرة الجهاد، فليس فيها تعدٍ ولا ظلم.

​إضافة إلى ذلك، هو لم يمدح النبي ﷺ وحسب، بل استرسل في وصف شجاعة أصحابه وثباتهم حين قال:
​إِنَّ الرَسولَ لَنورٌ يُستَضاءُ بِهِ … مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللَهِ مَسلولُ
في عُصبَةٍ مِن قُرَيشٍ قالَ قائِلُهُم … بِبَطنِ مَكَّةَ لَمّا أَسَلَموا زولوا
زالوا فَما زالَ أَنكاسٌ وَلا كُشُفٌ … عِندَ اللِقاءِ وَلا ميلٌ مَعازيلُ
لا يَفرَحونَ إِذا نالَت رِماحُهُمُ … قَوماً وَلَيسوا مَجازيعاً إِذا نيلوا

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى