الأخبارالسودانمقالات

نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (2 من 19): لماذا تتعثر قرانا رغم وفرة الموارد؟

بهدوءٍ وتدبّر | محمد عثمان الشيخ النبوي

إذا كان المقال الأول قد بيّن لماذا لا ينبغي أن ننتظر اكتمال الإصلاح العام، فإن السؤال الطبيعي التالي هو: ما الذي يجعل قرانا، رغم ما تملكه من أرضٍ وماءٍ وثروةٍ حيوانيةٍ وطاقاتٍ بشرية، عاجزةً عن تحويل هذه الموارد إلى استقرارٍ اقتصادي ونموٍ متصاعد؟
إن الإجابة لا تكمن، في معظم الحالات، في نقص الإمكانات، بل في الطريقة التي تُدار بها هذه الإمكانات، وفي الحلقات المفقودة بين الإنتاج والعائد الحقيقي. فالمشكلة ليست في وجود الموارد، بل في ضعف تحويلها إلى قيمةٍ اقتصادية مستمرة يمكن البناء عليها.

ومما ينبغي تأكيده أن صلاح البيئة العامة للدولة، من استقرار السياسات وكفاءة الإدارة وتوفر البنية التحتية، يظل الإطار الأمثل والرافعة الكبرى لنجاح أي نهضة قروية. غير أن غياب هذا الإطار أو تأخره لا يلغي إمكان العمل، بل يفرض التكيف مع المتاح، والبناء من داخل الواقع بدل تعليق الحركة على اكتمال الظروف.

أول مظاهر التعثر هو الاكتفاء بالإنتاج الأولي دون إضافة قيمة. فالمزارع يزرع ويحصد، ثم يبيع سريعًا، غالبًا تحت ضغط الحاجة إلى السيولة أو الخوف من التلف، فيخرج الجزء الأكبر من الربح من حدود القرية. إن القيمة المضافة لا تعني إقامة مصانع ضخمة، بل قد تبدأ بخطوات بسيطة لكنها مؤثرة: فرزٌ أدق، تعبئةٌ أنظف، تجفيفٌ منظم، أو تخزينٌ محسوب يتيح البيع في توقيتٍ أفضل. والفرق بين البيع الخام والبيع المنظم هو، في كثير من الأحيان، الفرق بين دخلٍ محدود وعائدٍ قابلٍ للنمو.

المظهر الثاني هو غياب الحساب الدقيق للتكلفة والربح. فكثير من الأنشطة الزراعية أو الحيوانية تُمارس بعادةٍ متوارثة لا برؤيةٍ اقتصادية واضحة. لا تُحسب كلفة المياه، ولا الجهد، ولا الفاقد، ولا فرق السعر الموسمي، فيظن المنتج أنه رابح لأنه باع، بينما قد يكون العائد الفعلي أقل بكثير مما يُتصوَّر.

ومن الأخطاء الشائعة التي تُضعف نتائج هذا الحساب أن تُقاس التكاليف والعوائد بقيمٍ نقدية متآكلة دون الانتباه إلى قيمتها الحقيقية. فمع تقلبات الأسعار وتغير قيمة العملة، قد يبدو النشاط رابحًا في ظاهره، بينما هو في حقيقته يستهلك جزءًا من رأس المال بصمت. لذلك فإن ضبط الحساب—ولو بصورة تقريبية—بمرجع أكثر ثباتًا كقيمة الذهب أو العملات المستقرة، يعين على فهم الربح الحقيقي، ويُسهم في حماية الجهد من التآكل غير المرئي.
أما المظهر الثالث فهو العمل الفردي المتفرق. كل أسرة تعمل وحدها، وكل منتج يشتري وحده ويبيع وحده، فتضعف القدرة على التفاوض، وتُهدر فرص تخفيض الكلفة أو تحسين السعر. إن قوة القرية لا تظهر في التضامن الاجتماعي فقط، بل في قدرتها على التنسيق الاقتصادي المنظم، حيث يتحول التعاون من قيمة معنوية إلى أداة عملية لخفض التكاليف ورفع العائد.

ثم هناك الفاقد غير المرئي الذي يتسلل بصمت. جزء من المحصول يتلف لضعف التخزين، وجزء يُباع بسعر منخفض بسبب الاستعجال، وجزء يُهدر في النقل غير المنظم، وجزء يُستهلك دون حساب. هذه الخسائر الصغيرة، حين تتكرر عبر المواسم، تتحول إلى فجوة كبيرة في الدخل السنوي. ومعالجة هذا الفاقد قد تكون، في كثير من الأحيان، أسهل وأقل كلفة من محاولة زيادة الإنتاج نفسه.

ويُضاف إلى ذلك غياب الرؤية المشتركة. فكثير من القرى لا تملك تصورًا واضحًا لما تريد أن تكون عليه بعد سنوات قليلة: هل تسعى إلى التميز في محصولٍ بعينه؟ أم في منتجٍ مصنّع؟ أم في نشاطٍ حيوانيٍ محسّن؟ غياب الهدف يجعل الجهود مبعثرة، بينما وضوحه يُحوّل القرية إلى فريق يعمل في اتجاهٍ واحد، ويمنح كل خطوة معنى ضمن مسار متكامل.

إن هذا التشخيص لا يُقصد به تحميل المجتمع كامل المسؤولية، ولا التقليل من أثر التحديات العامة، وإنما يهدف إلى تحديد نقطة البداية الممكنة. فالنهضة لا تبدأ دائمًا بإدخال موارد جديدة، بل كثيرًا ما تبدأ بإعادة ترتيب ما هو قائم، وتقليل الهدر، وتحسين طريقة الإدارة.
ولهذا فإن السؤال العملي الذي ينبغي أن يُطرح الآن ليس: ماذا نفتقد؟

بل: ما الذي يمكن تحسينه فورًا في طريقة إنتاجنا وبيعنا وتنظيمنا، دون انتظار تغييرات خارجية؟
ومن هنا يبدأ التحول الحقيقي: خطوة صغيرة محسوبة، تُكرر، ثم تُحسَّن، ثم تُبنى عليها خطوة أخرى.
وفي المقال القادم ننتقل إلى الخطوة الأولى في العلاج: مبدأ التخصص، وكيف يمكن لاختيار منتجٍ محوريٍ واحد أن يُحدث تحولًا ملموسًا في اقتصاد القرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى