مقالات

الكتابة في زمن الحرب: قصاصات من وجع السودان وأمله

اشتياق الكناني تكتب: قصاصات متفرقة

 

قصاصة أولى:

الكتابة في زمن الحرب قد تكون أوجع رحلة يمكن أن يخوضها الإنسان. أن تكتب وأنت داخل الألم ذاته، لا عنه من بعيد. فالحرب شرٌّ لا يقبله إنسٌ ولا جنّ، ولا أي مخلوق من مخلوقات الله على هذه الأرض. ومع ذلك، تتوالى علينا المصاعب والمصائب؛ طائرات مسيّرة، صواريخ، دانات، وأساليب قتل استمرت لعامين كاملين.

يخرج إنسان السودان من هذه الحرب وقد فارق الأهل والجيران. من رحل رحل، ومن بقي لا يحمل إلا الذكريات زادًا للاستمرار والمقاومة، دون رغبة حقيقية في الحياة. فالجندي الذي فقد ساقه لم يضع سلاحه، لأن الحرب لم تنتهِ. وكذلك الإنسان الذي يقاتل كل يوم؛ يقاوم الاستسلام لأن حربه الخاصة مع الحياة ما زالت مستمرة. يقاتل وحيدًا من أجل لقمة العيش، وتأمين حياة كريمة له ولأسرته، ويقاوم الأمراض والأوبئة وسوء الخدمات، وانعدام الكهرباء والمياه، وتغيّر البيئة… كل ذلك بصمت.

ومن هو خارج السودان ليس أفضل حالًا ممن بالداخل؛ فلكلٍّ همّه الذي يحمله، ووجعه الذي يثقله، وأملٌ هشّ يعيش عليه.

أمنيتنا أن تعود بلادنا لنا كاملة غير منقوصة، أن يسكت صوت الرصاص، وأن يتوقف نزيف الدم، وأن تنتهي سيرة السودان في وكالات الأنباء. وأن تكتب الأقلام عن الأمل والمستقبل والنجاح، وهو أمر ليس ببعيد على الله.

 

قصاصة ثانية:

العودة إلى الخرطوم، وعودة ما يمكن تسميته بحكومة الأمل، تضع رئيس الوزراء أمام أكبر امتحان له الآن. فالبرنامج الذي طُرح لم يعد حبرًا على ورق، بل صار واقعًا ينتظر الناس أن يروا ثماره في العاصمة السودانية.

المدارس، التي كانت يومًا منارات للعلم، تحوّل معظمها إلى ثكنات عسكرية وسجون ومعتقلات. قاعات التعليم أصبحت مخازن أو مساكن مؤقتة للأسر، أو أماكن مكتظة بمخلّفات الحرب. وما زالت الدانات والألغام تسكن تلك المواقع، في انتظار الإزالة لتصبح آمنة من جديد.

أما الكهرباء والمياه، فقد تعهّد عضو مجلس السيادة الفريق إبراهيم جابر بأهميتهما وضرورة توفيرهما لكل أحياء ومحليات الخرطوم. إلا أن الواقع ما زال مليئًا بالتحديات؛ فأم درمان القديمة، بجميع أحيائها، تعاني ضعف التيار الكهربائي، وانعدامه في بعض المناطق.

وخدمة المياه لا تزال تبحث عن حلول؛ فالآبار الجوفية أصبحت خيارًا اضطراريًا للناس، في انتظار عودة المياه عبر حنفيات المنازل كما كان الحال سابقًا. ورغم أن هذا الحل مؤقت، إلا أنه أفضل من انعدام الخدمة كليًا.

المستشفيات والمراكز الصحية تبدو في حالٍ أفضل نسبيًا مقارنة بغيرها من الخدمات، سواء كانت حكومية أو خاصة. الأدوية متوفرة إلى حدٍّ ما، رغم تفشي الحميات، إلا أن جهود مكافحة النواقل ما زالت بطيئة وتحتاج إلى تكثيف عبر الرش بالمبيدات.

الخرطوم تعود سريعًا بإنسانها، لكن على الحكومة أن تكون سندًا حقيقيًا لهذه الجهود الفردية، وأن تمد يد العون لإنسان الولاية الذي يحاول النهوض من تحت الركام.

الأسواق مكتظة، والحياة تسير بخطى حذرة نحو التعافي. أطلال المنازل تقف حزينة، تحمل آثار الرصاص والمدافع التي هدمت أجزاءً منها. هكذا هي الحرب، تترك علاماتٍ غائرة في المكان والذاكرة.

الشوارع مزدحمة في أحياء، وخالية في أخرى، لكن في كل محليات الخرطوم هناك موطئ قدم لإنسان ينتظر عودة الأهل والجيران.

ستعود الحياة، وسيزدهر المكان، وتعود الخرطوم لرونقها وبريقها عاصمةً للسودان.

 

قصاصة ثالثة:

الكتابة، في جوهرها، متنفس وحوار داخلي، تحكي به الحروف كيف هو الحال. لكنها هنا محمّلة بغصّة في القلب، وألمٍ كامن في الحلق. نفسٌ فارقت كل شيء: المنزل، العمل، الأهل، والجيران، وتحاول رغم ذلك أن تقاوم، على أمل العودة إلى حياة كنا نعرفها، وكانت تعرفنا.

العودة ليست حنينًا إلى الماضي، بل بحثًا عن أمنٍ واستقرار، عن حياة بلا خوف من غدٍ قد يواجهك فيه جندي يصوّب سلاحه إلى رأسك، أنت الإنسان الأعزل، مطالبًا بالمال أو الذهب أو مفاتيح سيارتك ومنزلك.

وإن خرجت حيًّا بعد أن سُلب منك كل شيء، فذلك حظٌّ لا يناله الجميع. فهناك من سُلبوا كل شيء، ولم تُترك لهم حتى حياتهم، أُخذت تحت ذريعة القوة، وهوى القاتل، ومزاجه، وسلاحه.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى