القوات المسلحة السودانية: حكمة القوة ووحدة الدولة في معركة الكرامة
الشاذلي عبداللطيف يكتب | ترانيم الظلم

في لحظة وطنية فارقة، تبعث فيها حكومة الأمل رسائل جادة بإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس الشرعية والمؤسسية وسيادة حكم القانون، يصبح من الضروري تناول دور القوة بمنطق الدولة لا بانفعال اللحظة. فالقوة حين تُدار بالحكمة تصبح ضمانة للاستقرار، وحين تُترك بلا ضوابط تتحول إلى عبء على الوطن. وفي قلب هذه المعادلة تقف القوات المسلحة السودانية بوصفها عمود الدولة وصمّام أمانها وحارس وحدتها.
القوات المسلحة في الدول الراسخة ليست مجرد تشكيل قتالي، بل مؤسسة سيادية عليا تُناط بها حماية وحدة التراب الوطني، وصون الدستور، وضمان استمرارية الكيان السياسي في لحظات الخطر الوجودي. قوتها الحقيقية لا تُقاس بعدد الأفراد ولا بحجم العتاد، بل بوضوح العقيدة، وانضباط السلوك، والالتزام الصارم بحدود الدور. فحين تُحترم هذه الحدود، تصبح القوة عامل طمأنينة، وحين تُتجاوز، تبدأ الدولة في فقدان توازنها.
من منظور دستوري ووطني، تظل القوات المسلحة مؤسسة جامعة، لا فئوية ولا حزبية، لا تنحاز لتيار سياسي، ولا تدخل في صراع مدني، ولا تنافس بقية الأجهزة النظامية. حيادها السياسي ليس انسحابًا من الشأن العام، بل تعبير عن نضج الدولة وحماية للشرعية من التسييس. وخضوعها للدستور والقانون والقيادة الشرعية هو مصدر هيبتها ومشروعيتها، وهو ما يجعلها محل ثقة المجتمع في أوقات الشدة.
وتتحدد وظيفتها الاستراتيجية في حماية السيادة والحدود، ورد العدوان الخارجي، ومنع تفكك الدولة حين تتعرض
لتهديد وجودي. وهي، في هذا الإطار، تمثل المرجعية السيادية التي تضبط التوازن بين القوات النظامية، دون أن تنخرط في العمل الشرطي اليومي أو النشاط الاستخباري الوقائي. فالدولة الحكيمة تُحسن توزيع الأدوار، وتحمي التخصص، وتمنع التداخل الذي يقود إلى الصراع والإنهاك.
وفي العلاقة مع الشرطة، يبرز مبدأ الفصل الوظيفي بوصفه قاعدة دولة لا تقبل المساومة. الشرطة جهاز مدني معني بالأمن الداخلي اليومي وإنفاذ القانون وحماية المجتمع، بينما تضطلع القوات المسلحة بالأمن السيادي
والاستراتيجي. ويقوم التكامل بين المؤسستين على الإسناد عند الضرورة القصوى، لا الحلول محل الآخر، لأن أي خلط بين الدورين يرهق الجيش ويضعف الشرطة ويقود إلى عسكرة الحياة العامة.
أما العلاقة مع الاستخبارات والأمن الوطني، فتقوم على التكامل المحسوب لا تداخل الصلاحيات. الاستخبارات تجمع وتحلل وتقدّر، والقيادة السياسية تقرر، والقوات المسلحة تنفذ عند الحاجة وفق حسابات دقيقة. ويجب أن يظل الأمن الوقائي مدني الأدوات، قانوني الإطار، لأن عسكرة هذا المجال تخلق دولة خوف لا دولة أمن.
وفي هذا السياق الوطني، تستحق حكومة الأمل، وزراءً وقيادة، إشادة صادقة لما أبدوه من مسؤولية وتماسك في إدارة الدولة خلال مرحلة بالغة التعقيد، حيث غلّبوا المصلحة العامة وحافظوا على مؤسسات الدولة. كما يستحق ولاة الولايات التقدير وهم يواجهون تحديات الأمن والخدمات والإنسان، مؤكدين أن الولاية خط الدفاع الأول عن وحدة الوطن.
وتؤدي وزارة الداخلية دورًا محوريًا في حماية الجبهة الداخلية، وقد جسّد أداؤها نموذجًا في الجمع بين صرامة القانون وحكمة الدولة. كما تستحق قوات الشرطة السودانية، بقيادة مدير عام الشرطة، كل الاحترام، وهي تضطلع بواجبها اليومي في حماية الأرواح والممتلكات وضبط الأمن، في ظروف شديدة القسوة، محافظة على شرف المهنة وهيبة القانون.
ولا يكتمل المشهد دون التحية لكل من خاض حرب الكرامة ولم يغيّر وطنيته، ولم يساوم على انتمائه، مدنيين وعسكريين، نظاميين ومتطوعين، كوادر صحية وتعليمية، وإعلاميين التزموا بالكلمة المسؤولة، ومواطنين صابرين صامدين. هؤلاء جميعًا شكّلوا جبهة وطنية واسعة لمعركة كانت معركة وعي وصمود قبل أن تكون معركة سلاح.
إن هذه المرحلة لا تحتمل الإقصاء ولا التشكيك، بل تحتاج إلى دبلوماسية داخلية راشدة، وعدالة منضبطة، واحترام متبادل بين الدولة والمجتمع. فحين تُدار القوة بالحكمة، تُصان الكرامة، وتبقى الدولة، ويعبر السودان هذا الزمن العصيب مرفوع الرأس.




