
قبل أن تُسكب القهوة في الفناجين، تكون قد سكبت شيئاً آخر في الروح… شيئاً يشبه الطمأنينة. فالقهوة ليست مجرد شراب داكن اللون، بل ذاكرة كاملة تعيش في رائحة البن، وفي ذلك البخار الصاعد من الفنجان كأنه رسالة دفءٍ إلى القلب.
ومنذ أن عرف الناس القهوة، صارت أكثر من عادة يومية؛ أصبحت طقساً اجتماعياً، ورفيقة لحظات الصفاء، وجسراً خفياً يصل بين الأرواح. فكم من حديثٍ بدأ بفنجان قهوة، وكم من حكايةٍ دافئة وُلدت على مهل بين رشفةٍ وأخرى.
لكن للقهوة في حياتي مذاقٌ خاص، لأنها ترتبط بوجود أختي توأمي الجميلة هديل. حين نجلس معاً، يصبح للفنجان معنى آخر، وكأن البنّ نفسه يبتسم لهذا اللقاء. هديل ليست فقط أختاً تشاركني الدم، بل روحاً قريبة تشاركني تفاصيل الأيام الصغيرة… تلك التي لا ينتبه لها أحد لكنها تصنع جمال الحياة.
في بيتنا، تبدأ حكاية القهوة من لحظة طحن البنّ. تلك الرائحة العميقة التي تنتشر في المكان، كأنها توقظ الحنين في القلب. رائحة البنّ لا تُخطئها الذاكرة، فهي تشبه البيوت الدافئة، وتشبه الضحكات الصادقة التي تتسلل بين أفراد الأسرة دون تكلف.
وهديل… لها طريقتها الخاصة في إعداد القهوة. تتعامل معها وكأنها تحضّر لحظة سعادة وليست مجرد مشروب. تضع البنّ بهدوء، وتتركه يغلي ببطء، حتى يبدأ العطر في ملء المكان. عندها فقط نعرف أن وقت القهوة قد حان، وأن لحظة الصفاء الصغيرة قد وصلت.
ومع أول رشفة، يبدأ الحديث. نتذكر أشياء مضت، ونضحك على مواقف بسيطة، ونحكي عن أيامنا القادمة. القهوة بيننا ليست فقط مذاقاً، بل مساحة حرة للكلام، ونافذة صغيرة نطل منها على الحياة دون ضجيج.
غير أن للقهوة في رمضان مذاقاً آخر لا يشبه بقية الأيام. ففي ليالي هذا الشهر الكريم، تتغير تفاصيل الأشياء كلها، حتى القهوة نفسها. بعد الإفطار وصلاة التراويح، حين يهدأ الليل وتبرد الأجواء، تأتي القهوة كأنها خاتمة يومٍ من الصبر والعبادة.
في تلك اللحظات، يصبح فنجان القهوة أكثر دفئاً، وأكثر عمقاً. تمتزج رائحة البنّ بصوت المساجد البعيد، وبسكون الليل الذي يلف البيوت. نجلس أنا وهديل، والفناجين بين أيدينا، فنشعر أن الوقت يمشي ببطء جميل، وكأن الليل يمنحنا فرصة إضافية لنستمتع بالحياة.
القهوة في رمضان ليست مجرد شراب… إنها جزء من الطقوس الروحية والاجتماعية لهذا الشهر. فبعد يومٍ طويل من الصيام، تأتي القهوة لتجمع العائلة حول لحظة هادئة من السمر والحديث.
ولعل سر القهوة الحقيقي ليس في طعمها وحده، بل في الأشخاص الذين نشاركهم هذا الفنجان الصغير. فالقهوة بلا صحبة دافئة تظل مجرد مشروب، أما حين تُشرب مع من نحب، فإنها تتحول إلى ذكرى جميلة تبقى في القلب.
ولهذا، كلما ارتشفت القهوة مع هديل، أشعر أنني لا أحتسي البنّ فقط، بل أرتشف لحظة من المحبة، وقطعة صغيرة من الزمن الجميل الذي لا نريد له أن ينتهي.
هكذا هي القهوة…
فنجانٌ صغير، لكنه قادر على أن يحمل في داخله رائحة البيوت، ودفء القلوب، وحكايات العمر الجميل.





