الفريق شرطة (حقوقي) د. عز الدين عبد المحمود… حين يصبح القانون روح الدولة وهيبتها
د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | ترانيم الظلم

في مسيرة الدول لا تقاس قيمة المؤسسات بارتفاع مبانيها ولا بكثرة منسوبيها، بل تقاس بعمق الفكرة التي تقوم عليها وبنوعية الرجال الذين يحملون مسؤوليتها. فالدولة في جوهرها ليست سلطة تمارس فحسب، بل منظومة من القيم يحكمها العدل ويضبطها القانون. ومن هنا نشأت فلسفة الدولة الحديثة التي ترى أن هيبة الدولة لا تقوم بالقوة وحدها، بل تقوم اولا بسيادة القانون.
وفي هذا السياق تبرز أسماء قيادات أدركت هذه الحقيقة مبكرا فجعلت من القانون ميزانا للسلطة لا أداة في يدها. ومن بين تلك القامات يبرز اسم الفريق شرطة (حقوقي) د. عز الدين عبد المحمود، الذي جمع في مسيرته بين الانضباط الشرطي والفكر القانوني، فكان نموذجا للقائد الذي فهم أن العمل الشرطي في جوهره ليس مجرد ممارسة للقوة، بل ممارسة واعية للقانون.
لقد تدرج الفريق عز الدين عبد المحمود في مسيرته المهنية داخل الشرطة السودانية حتى بلغ رتبة الفريق، وكانت شخصيته المهنية مرتبطة بالفهم العميق لطبيعة السلطة التنفيذية في الدولة. ولذلك عرف في الوسط الشرطي بصفته “حقوقي”، وهي صفة لم تكن مجرد لقب اكاديمي، بل تعبيرا عن رؤية ترى أن القانون هو الأساس الذي تقوم عليه شرعية اي سلطة.
ان الفلسفة القانونية التي جسدها في تجربته المهنية تقوم على فكرة عميقة مفادها أن الشرطة ليست جهازا للعقاب بقدر ما هي مؤسسة لحماية النظام العام وصيانة الحقوق. فالقانون اذا لم يكن حاضرا في عقل الضابط قبل يده فإن السلطة تتحول الى قوة بلا ميزان.
ومن هذا المنطلق ظل يؤكد في اطروحاته الفكرية أن بسط هيبة الدولة لا يتحقق الا عبر سيادة حكم القانون، وأن تحديث التشريعات الجنائية والاجراءية يمثل خطوة اساسية في تمكين المؤسسات الأمنية من أداء دورها في حماية المجتمع. فالقانون في نظره ليس قيدا على السلطة، بل هو الضامن لشرعيتها.
ولذلك امتد حضوره الى ساحة الفكر العام حيث شارك في النقاشات التي تناولت دور الشرطة في الدولة الحديثة واهمية اصلاح القوانين المنظمة للعمل الجنائي بما يحقق التوازن بين الأمن والحرية. وهي قضية جوهرية في فلسفة الحكم، لأن الأمن اذا انفصل عن العدالة يتحول الى عبء على المجتمع، بينما يصبح الأمن العادل أساس الاستقرار الحقيقي للدولة.
كما ارتبط اسمه بعدد من المواقف القانونية التي دافع فيها عن حقوق الضباط داخل المؤسسة النظامية، وهي مواقف تعكس ايمانه بأن العدالة المهنية داخل المؤسسات لا تقل أهمية عن العدالة داخل المجتمع. فالمؤسسة التي تحترم حقوق منسوبيها تكون اكثر قدرة على أداء رسالتها الوطنية.
ان تجربة الفريق شرطة (حقوقي) د. عز الدين عبد المحمود تمثل نموذجا للقائد الذي التقت في شخصيته الخبرة الميدانية مع الفكر القانوني. وهذه المعادلة هي التي تصنع القيادات الكبيرة في الدولة الحديثة، لأن التحديات الأمنية اليوم لم تعد مجرد تحديات تقليدية، بل اصبحت مرتبطة بقضايا معقدة تتعلق بحماية الحقوق وادارة الأزمات والحفاظ على السلم الاجتماعي.
لقد أدرك أن هيبة الدولة لا تصنع بالخوف بل تصنع بالعدل. فالعدل هو الأساس الذي تقوم عليه شرعية السلطة وهو الجسر الذي تعبر عليه الثقة بين الدولة والمجتمع.
واذا كانت المؤسسات العريقة تبنى بتراكم التجارب فإن القيادات التي تجمع بين الفكر والخبرة تصبح جزءا من ذاكرة تلك المؤسسات. فالتاريخ الحقيقي للمؤسسات لا يكتب في اللوائح والقرارات فقط بل يكتب ايضا في التجارب التي تركها رجالها خلفهم.
وهكذا تبقى مسيرة الفريق شرطة (حقوقي) د. عز الدين عبد المحمود جزءا من ذاكرة الشرطة السودانية ومن تاريخها المهني لأنها تعكس تجربة ضابط أدرك أن القانون ليس أداة في يد السلطة بل هو الميزان الذي تستقيم به الدولة.
فالدولة في نهاية المطاف ليست مجرد حدود جغرافية او مؤسسات ادارية بل فكرة كبرى تقوم على العدل. وكلما كان رجالها اكثر ايمانا بهذه الفكرة كانت مؤسساتها اكثر رسوخا وكان المجتمع اكثر امنا واستقرارا.





