مقالات

العلاقات السودانية الإسرائيلية

صديق البادي يكتب | رسائل للسيد الرئيس البرهان الرسالة الثامنة

​إذا تجاوزنا وعد بلفور في عام 1917م ومادار قبله وما جرى بعده وقفزنا للعام 1948م الذي قامت فيه دولة إسرائيل بعد تمهيد كثير لذلك لجذب الاهتمام ولفت نظر كل الإسرائيليين المنتشرين في أنحاء المعمورة وترسيخ فكرة قيام دولة تضمهم جميعاً. وجمع الأموال الضخمة لتنفيذ هذا المشروع الكبير ​وسبق قيام الدولة عمل منظم في صمت وهدوء لشراء كل الأراضي من الفلسطينيين حتى دانت لهم بالشراء والتي أقاموا فيها دولتهم وتجمعوا من دول الشتات

بسرعة فائقة وأقاموا واستقروا فيها استقراراً دائماً وكونوا وأعلنوا حكومتهم برئاسة بن غورين. ​وفور قيامها ثارت ثائرة العرب وحاولوا مقاومتها ودخلوا ضدها في حرب قصيرة الأمد. وعلى عهد الملك فاروق حارب البعض بأسلحة اتضح أنها كانت فشنك وحارب البعض بأسلحة حقيقية في الفلوجا وغيرها وشارك آخرون في الحرب من تلقاء أنفسهم ومنهم: محاربون متطوعون من السودان مثل: الشيخ شوقي الأسد ناظر مدرسة الموردة الأولية والسيد زاهر سرور الساداتي وغيرهما. وفي مرحلة لاحقة التحق الأستاذ محمد صالح عمر في منتصف عام 1969م بمعسكرات التدريب مجاهداً ،وطالباً للشهادة في سبيل تحرير فلسطين . ودولة

إسرائيل التي قامت في عام 1948م قبل ثمانية وسبعين عاماً، ومنذ البداية أدرك الإسرائيليون أنهم محاطون بطوق إقليمي غريب عنهم، ومعادٍ لهم ولذلك ظل تركيزهم في المقام الأول على التسليح وإقامة ترسانة حربية قوية تساندهم أمريكا والدول الغربية وغيرهم، والذين اعترفوا بإسرائيل. وكان الرئيس جمال عبد الناصر يهاجمها في مكتبه، وكان المذيع احمد سعيد بصوته الهادر المجلجل يردد ان مصر والدول العربية سترمي هذه الدويلة في البحر.

وفي أوائل ستينيات القرن الماضي اقترح الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها ،وهاجمه عبد الناصر هجوماً لاذعاً ووصفه إعلامهم بأنه مجنون.. والأستاذ أحمد بهاء الدين في كتابه إسرائيليات ذكر أن الإسرائيليين ولدوا وتربوا في دول مختلفة وبيئات متباينة وكل منهم يتحدث بجانب لغتهم الموحدة، بلغة البلد الذي ولد وعاش فيه ويعيش مثلهم بذات عاداتهم وتقاليدهم. وعندما التقوا وتجمعوا واستقروا في إسرائيل كانت تجمعهم عقدة أنهم كانوا مشردين ومشتتين ودفعهم ذلك للتماسك في كيان واحد ودولة يدينون لها بالولاء.

وإسرائيل دولة تجد دعماً هائلاً من حلفائها. واليهود في الولايات المتحدة الأمريكية يسيطرون، ويملكون اعلاماً اخطبوطياً خطيراً مؤثراً ولهم قوة اقتصادية وتجارية واستثمارية هائله ويمثلون في أمريكا مركز قوة ومركز ضغط ولهم تأثيرهم في الانتخابات الرئاسية والنيابية ويعمل لهم الف حساب ولذلك فان ارتباط أمريكا وإسرائيل وثيق ولا فكاك منه وينسحب هذا بدرجات متفاوتة على الدول الغربية الاخري.

​وإسرائيل دولة علمانية وليست دولة دينية ثيوقراطية ويدينون باليهودية والتوراة كأفراد في معابدهم دون أن تكون هناك وصاية من الحاخامات على الدولة. والدين لا يمثل عندهم عنصر خلاف ولهم صلات وثيقة بالدول الغربية والمنظمات الكنسية وغيرها. ولكنهم يعادون ما يطلقون عليه الإسلام السياسي مع اطلاق اتهامات باطلة زوراً وبهتاناً لدول ونظم حكم يصفونها بالارهابية رغم أنها تتسم بالاعتدال والوسطية.

وعندما بلغ السيل الزبى في العلاقة المتوترة بين مصر واسرائيل وكان انفجار شرارة الحرب بينهما متوقعاً نصح الروس عبد الناصر بأن لا تكون مصر هي البادئة بالهجوم وكانت تلك خدعة وضربت اسرائيل الطيران المصري، واستمرت الحرب لستة ايام في شهر يونيو (حزيران) عام 1967م ووصف ما حدث تخفيفاً للمأساة بأنه نكسة يونيو ؛ولكنه في حقيقة امره هزيمة يونيو وكتب الشاعر نزار قباني قصيدته الشهيرة هوامش علي دفتر النكسة. وصحبت

الهزيمة احداث جسيمة منها خيانة المشير عبد الحكيم عامر؛ لصديق عمره الرئيس عبد الناصر. وانتهت حياة المشير عامر بانتحاره. وتصرف عبد الناصر بذكاء ودهاء، فألقى خطاباً عاطفياً أعلن فيه تحمله لمسئولية ما حدث وقدم استقالته .واختار زكريا محي الدين ؛ليكون رئيساً للجمهورية بدلاً عنه وكان يدرك أن الشعب سيرفض في تلك الظروف ذلك الاختيار. وفعلا اجتاحت مصر مظاهرات غاضبه هادرة ضد ذلك البديل . وبقي عبد الناصر في موقعه ​وكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل عدة مقالات لتهدئة ثائرة الشعب

المصري ونجح في ذلك وذكر في تلك المقالات أن أمريكا في تلك الأيام مثل الثور الهائج الذي يحطم كل من يقف امامهُ .ومن الحكمة والعقل عدم مواجهتها في تلك الظروف وترك ذلك لمرحلة تالية عندما تهدأ وتفيق من سكرة عظمة القوة..وفي شهر سبتمبر عام 1967م عقد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم المعروف بـمؤتمر اللاءات الثلاثة .والمتفق عليه أنه أنجح مؤتمر قمة لم تشهد الجامعة العربية له مثيلاً منذ إنشائها وفي الخرطوم استقبل عبد الناصر استقبالاً حافلاً مدهشاً وردد الإعلام الغربي وصحفه أن

الخرطوم استقبلت قائداً مهزوماً ،كأنه قائد منتصر. وفي منزل السيد محمد أحمد محجوب رئيس الوزراء بالخرطوم اثنين تم الصلح بين الملك فيصل والرئيس جمال عبد الناصر. وفي مؤتمر الخرطوم قدمت الدول العربية النفطية الغنية دعماً مالياً كبيراً؛ لدول المواجهة تعويضاً للخسائر التي منيت بها في تلك الحرب. ووزراء الخارجية العرب بموافقة الملوك والرؤساء العرب كلفوا السيد محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان ووزير الخارجية بمخاطبة الجمعية العمومية للأمم المتحدة باسم الأمة العربية؛ وألقى

المحجوب خطاباّ باللغة الإنجليزية كان مثار إعجاب العالم كله ورفع المحجوب رأس السودان ورأس الأمة العربية عالياً. مماجعل ذلك الإعلام الغربي يكف عن سخريته واستهزائه بالعرب جراء تلك النكسة أو الهزيمة.
​وخلاصة القول إن السودان فتح أبوابه لكل اللاجئين الفلسطينيين، وعاملهم أطيب معاملة وكان يستقبل أحمد الشقيري ،ومن بعده كان يستقبل بحفاوة بالغة ياسر عرفات أبو عمار . ومنذ امد بعيد كان لمنظمة التحرير الفلسطينية مكاتب بالخرطوم وقدم السودان على مدى عدة عقود من

الزمان دعماً كافياً وافياً للقضية الفلسطينية وساندها في كافة المحافل الإقليمية والدولية .ولم يكن ينتظر مقابلاً لقاء ذلك وشهد السودان في الثلاثة أعوام الماضية أسوأ وأردأ حرب في تاريخه وفي تاريخ البشرية جمعاء. وحسب علمي لم تتكرم السلطة الفلسطينية أو واحد من مواطنيها ومثقفيها بكلمة واحدة فقط فيها مواساة للشعب السوداني. وتعاملو معه بكل برود كأنه بالنسبة لهم لا يساوي شيء يُذكر. والسودان كان من أجلهم ملكياً أكثر من الملك

وكاثوليكياً اكثر من البابا. في إبداء كراهيته لإسرائيل لدرجة الكتابة في الجواز (السماح لحامله بنيل تأشيرة دخول لكل الدول الا إسرائيل). وإسرائيل لا تعتبر السودان من دول المواجهة لبعده الجغرافي عنها وإن عدداً من الدول العربية البعيدة جغرافياً عن إسرائيل تتعامل معها بتعقل ،وليس بين الطرفين صداقة، ولا عداوة. وبذات القدر يمكن أن تكون علاقة السودان بإسرائيل ليس فيها صداقة ،و في نفس الوقت ليس فيها شيك عداوة مفتوحة الي الأبد. وإسرائيل التي يعاديها السودان الان ضالعة في الحرب الاجرامية

الانتقامية القذرة التي ابتلى بها السودان ؛ولكنها لم توجه ضربات مباشرة معلنة للسودان في هذه الحرب .وفي عهد الانقاذ، وجهت ضربها لعربتين او ثلاث كانت تتهم راكبيها بانهم يقومون بعمليات تهريب للأسلحة لحزب الله في لبنان.
واتهمت مرة أخرى بضرب مصنع اليرموك للتصنيع الحربي في جنوب الخرطوم. وفيما عدا ذلك فإنها تشارك في الحرب القذرة ضد السودان عن طريق مخلب قطها المسموم…

والحكومة الآن في ظل فترة انتقالية تستمد شرعيتها من الأمر الواقع الذي فرضته الحرب اللعينة، ولا يوجد مجلس تشريعي انتقالي. والطريقة والكيفية التي كانت مقترحة لتكوينه مرفوضة لأنها ستثير اضطرابات ومظاهرات والضرورة تقتضي الاستعانة بالعلماء والخبراء لعمل مجالس متخصصة تقوم بوضع السياسات, ومراقبة الأداء التنفيذي في كافة القطاعات الدفاعية والأمنية والمالية والاقتصادية

والخدمية وفي مجال العلاقات الدولية، والسياسة الخارجية يجب ان توضع خطط مبنية على الدراسات العلمية.كما يجب التأني في كل خطوة، وترك الاندفاع الذي تحركه العواطف الجامحة.​ وكما قال ديزرائيلي رئيس الوزراء البريطاني قبل عقود خلت من الزمان: ليس لبريطانيا أصدقاء دائمون، أو أعداء دائمون، ولكن لها مصالح دائمة.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى