الشاذلي عبداللطيف يكتب : معاشي الشرطة: كرامة الخدمة حين تصطدم بضيق العيش

في زمن تتطلع فيه حكومة الأمل لاعادة بناء الدولة على اسس العدالة ورد الاعتبار، يظل ملف معاشي الشرطة واحدا من اكثر الملفات التي تكشف المسافة بين الشعارات والواقع. فهنا لا نتحدث عن ارقام جامدة، بل عن رجال افنوا اعمارهم في خدمة الامن، ثم وجدوا انفسهم بعد المعاش امام واقع لا يليق بتاريخهم ولا بتضحياتهم.
الحقيقة التي لا يجوز القفز فوقها ان معاش الشرطة في وضعه الحالي لا يكفي قوت اسبوع لاسرة، ناهيك عن علاج او تعليم او سكن. وهذا ليس توصيفا عاطفيا، بل واقع يومي يعيشه الاف المعاشيين. حين يصبح الاستحقاق الذي يفترض ان يؤمن الحد الادنى من الكرامة عاجزا عن ذلك، تتحول القضية من شأن مالي الى سؤال اخلاقي ومؤسسي.
ويزداد الامر تعقيدا حين نضع في الاعتبار ان ما يقارب 99% من المحالين للصالح العام من منسوبي الشرطة لم يرتكبوا جرائم مخلة بالشرف او الامانة، ولم يقدموا لمحاكم شرطة، ولم تصدر بحقهم ادانات مهنية. انما كانوا نتاج فترات سياسية مضطربة مر بها السودان، استخدمت فيها قرارات الاحالة كادوات صراع سياسي لا كاجراءات عدلية. هذا الواقع لا بد ان يقال بوضوح، لان الظلم اذا طال الراتب والمعنى معا، صار ظلما مركبا.
ثم هناك بعد لا يقل اهمية، وهو طريقة التعامل مع المعاشي داخل مؤسسات خدمته السابقة. فالمعاش لا يعني سقوط الهيبة ولا انقطاع الاحترام. يجب ان يكون هناك توجيه صارم لكل من هو على راس العمل بان يقدم الاحترام والتقدير لكل ضابط معاشي، وان تقدم له الخدمة وفق النظام والانضباط والسلوك المهني الذي تعلمناه في كلية الشرطة. فالشرطية ليست وظيفة تنتهي، بل قيم تبقى.
لكن النقد وحده لا يصنع حلا. السؤال الاهم هو: ماذا بعد؟ هل نكتفي بالمطالبة بزيادة معاش لا تصمد امام التضخم، ام نبحث عن افق اوسع يحقق الاستدامة؟ هنا يفرض التفكير الاستثماري نفسه كضرورة وطنية، لا كترف فكري. فالسؤال الحقيقي ليس كم ندفع، بل كيف نمكن.
ان معالجة ملف معاشي الشرطة لا ينبغي ان تظل حبيسة فكرة الزيادة الشهرية. الرؤية الاعمق تقوم على تحويل المعاش من دخل هش الى مصدر كرامة مستدامة. اموال المعاشيين، مهما بدت محدودة على مستوى الفرد، تملك عند تجميعها قوة حقيقية اذا ما اديرت بعقل مهني مستقل، قائم على الحوكمة لا المجاملة، وعلى التنويع لا المغامرة.
الرؤية الاستثمارية السليمة لا تقوم على صندوق صرف، بل على منظومة متكاملة تجمع بين استثمارات تحفظ القيمة مثل العقار الصغير والمتوسط، ومشاريع تشغل الخبرة المتراكمة لمعاشيي الشرطة في مجالات الحراسة المدنية وادارة المرافق، ومشاريع تخفف العبء المعيشي كالتعاونيات الاستهلاكية وسلاسل الغذاء والدواء. في هذا النموذج، لا ينافس المعاشي الدولة، بل يكملها، ولا يمد يده طلبا، بل يمد خبرته مشاركة.
كما ان الاستثمار في الانسان نفسه يظل الاكثر استدامة. اعادة تاهيل المعاشيين وربط خبراتهم بفرص تدريب واستشارات واعمال تنظيمية يعيد لهم الشعور بالقيمة، ويحولهم من متلقين محدودين الى شركاء منتجين.
في النهاية، لا يتعلق الامر بمعاش شهري فقط، بل بمعنى الخدمة نفسها. فالدولة التي تترك ضباطها بعد المعاش يواجهون ضيق العيش، تفرغ فكرة الواجب من مضمونها. اما الدولة التي تحسن ادارة ملف معاشييها، وتحول معاشهم من رقم هزيل الى كرامة مستدامة، فهي دولة تفهم ان الامن لا يصنع في لحظة، بل يتراكم بالوفاء.
انصاف معاشيي الشرطة ليس عبئا على الدولة، بل استثمار في هيبة مؤسساتها واستقرار مجتمعها. وذلك هو الفرق بين دولة تدفع لتسكت، ودولة تستثمر لتبقى.





