الرسالة الثالثة إلى ولاة الولايات:عندما يختل الميزان في المدينة
د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | ترانيم الظلم

في كل مدينة ميزان خفي، لا يُرى ولا يُقاس، لكنه حاضر في وجدان الناس.
ميزان لا تصنعه القوانين وحدها، بل تصنعه التجربة اليومية للإنسان داخل المرافق العامة. حين يدخل المواطن مؤسسةً ما، ويخرج منها مطمئنًا، يكون الميزان قائمًا. وحين يخرج مثقلًا بالأسئلة، يكون الخلل قد بدأ.
المدن لا تسقط فجأة، بل تميل قليلًا كل يوم، حتى يعتاد الناس الميل.
وحكم المدن، في جوهره، هو فن المحافظة على هذا الميزان، لا بقوة الصوت، بل بدقة الضبط، ولا بكثرة التعليمات، بل بسلامة المسار.
أيها السادة ولاة الولايات،
إن أخطر ما يهدد المدينة ليس الفوضى الظاهرة، بل الاعتياد الصامت على اختلال الإجراءات، حين يتحول التعقيد إلى أمر طبيعي، ويتحول التأخير إلى واقع مقبول، وتصبح الخدمة العامة اختبار صبر لا حقًا مكتسبًا.
هنا لا يُكسر القانون، بل يُفرغ من معناه.
ولا تُهزم الدولة، بل تُرهق في ضميرها.
ولهذا، فإن حكم المدن لا يُقاس بعدد المشاريع وحدها، بل بقدرة الإدارة على حماية التوازن بين السلطة والعدل، وبين الإجراء وروحه، وبين النص وغاياته الإنسانية.
المدينة العادلة ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي تملك شجاعة مراجعة نفسها قبل أن يفقد الناس ثقتهم بها.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية المؤسسية، عبر خطوة رمزية في معناها، عميقة في أثرها: تكوين لجان نزاهة حضرية للتقصي الإداري داخل مرافق المدينة الحكومية.
لجان لا تُنشأ للاتهام، بل للفهم.
ولا تُكلف بالبحث عن أشخاص، بل عن أنماط خلل.
ولا تعمل في الظل، بل في وضوح يطمئن الإدارة والمواطن معًا.
تسأل هذه اللجان الأسئلة التي تُهمل غالبًا:
أين يتعثر المسار؟
لماذا يتكرر التأخير؟
كيف تتحول الإجراءات البسيطة إلى عبء؟
وأين يفقد المواطن ثقته؟
إنها لجان تُعيد قراءة التفاصيل الصغيرة، لأن المدن تُهزم بالتفاصيل، وتُبنى بها أيضًا.
أيها السادة،
الإدارة التي تسمح بمراجعة ذاتها، إنما تُعلن قوتها لا ضعفها.
والمدينة التي تُنشئ لجان نزاهتها، إنما تحمي ميزانها قبل أن يميل أكثر.
فحين يُراجع المرفق نفسه، قبل أن يُراجعه الناس، تستقيم الخدمة دون صدام، ويستعيد المواطن شعوره بالشراكة لا الخصومة.
وحكم المدن، في معناه الأرقى، ليس إحكام السيطرة، بل صيانة العدل، وليس إدارة الملفات، بل رعاية الإنسان.
فالمدينة التي يصان ميزانها، لا تخشى المستقبل،
ولا تحتاج إلى رفع الصوت،
لأن العدالة حين تُدار بهدوء، تكون أكثر رسوخًا.





