تكنولوجياعلوممنوعات

الذكاء الاصطناعي قد يغير وجه التعليم.. إ

ذا توقفت الجامعات عن التصرف كـ "نقابات العصور الوسطى"

​بدلاً من التساؤل عن كيفية تحسين التعليم باستخدام الذكاء الاصطناعي، انشغلت المؤسسات التعليمية بهوس الحفاظ على آليات الرقابة.

​عندما اقتحم “ChatGPT” المشهد، لم تكن ردة فعل الأوساط الأكاديمية قائمة على الفضول، بل على الخوف. ولم يكن خوفاً مما قد يتيحه الذكاء الاصطناعي للطلاب من فرص للتعلم، بل كان خوفاً من فقدان السيطرة على الطرق التقليدية التي يتم بها “ضبط” العملية التعليمية. وسرعان ما أعلن أساتذة أن الذكاء الاصطناعي التوليدي “سمّ”، وحذروا من أنه سيدمر التفكير النقدي، وطالبوا بحظره تماماً في الحرم الجامعي. وهرع آخرون لإحياء الامتحانات الشفهية والتقييمات المكتوبة بخط اليد، وكأن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ستمحو المشكلة.

سردية “النزاهة” تخفي مشكلة “سيطرة”
​لقد كانت الاستجابة فوضوية لدرجة أن الباحثين رصدوا بالفعل التخبط الناتج عن ذلك: سياسات متناقضة، توجيهات غامضة، وآليات تنفيذ يجد حتى أعضاء هيئة التدريس صعوبة في فهمها.

​تتحدث الجامعات بلا كلل عن “النزاهة الأكاديمية”، بينما تعترف ضمناً بأنه ليس لديها تعريف مشترك لما تعنيه النزاهة في عالم يعززه الذكاء الاصطناعي. وفي هذه الأثناء، فإن كل ما يهم حقاً في عملية التعلم — من التحفيز والاستقلالية، إلى وتيرة التعلم والقدرة على التجربة والفشل دون إحراج علني — يكاد لا يدخل في صلب النقاش.
​بدلاً من التساؤل عن كيفية تحسين التعليم عبر الذكاء الاصطناعي، انشغلت المؤسسات بهوس الحفاظ على أدوات المراقبة.

الأدلة تشير إلى اتجاه مغاير
​ومع ذلك، تشير جميع الأدلة إلى اتجاه مختلف تماماً. فأنظمة التدريس الذكية قادرة بالفعل على تكييف المحتوى، وتوليد ممارسات سياقية، وتقديم ملاحظات فورية بطرق تعجز عنها الفصول الدراسية الكبيرة. وهذا الانفصال يكشف عن حقيقة غير مريحة:
​الذكاء الاصطناعي لا يهدد جوهر التعليم، بل يهدد “البيروقراطية” المبنية حوله. فالطلاب لا يرفضون الذكاء الاصطناعي؛ إذ تظهر الاستطلاعات باستمرار أنهم يعتبرون الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي مهارة مهنية أساسية، وينشدون التوجيه لا العقاب. الفجوة صارخة: المتعلمون يتقدمون للأمام، بينما المؤسسات الأكاديمية تتحصن في مواقعها.

كيف يبدو نهج “الانخراط الكامل”؟
​على مدى أكثر من 35 عاماً، كنت أدرّس في جامعة “IE”، وهي مؤسسة اتخذت موقفاً مغايراً تماماً. فقبل وقت طويل من ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، كانت الجامعة تختبر التعليم عبر الإنترنت، والنماذج الهجينة، والتعلم المعزز بالتكنولوجيا. وعندما ظهر ChatGPT، لم تصب الجامعة بالذعر، بل نشرت “بياناً مؤسسياً بشأن الذكاء الاصطناعي” يؤطر هذه التكنولوجيا كتحول تاريخي يضاهي المحرك البخاري أو الإنترنت، والتزمت بدمجه أخلاقياً وقصداً في التدريس والتعلم والتقييم.
​لم يكن هذا الموقف من أجل “الاستعراض” أو العلامة التجارية، بل استند إلى فكرة بسيطة: يجب أن تتكيف التكنولوجيا مع المتعلم، وليس العكس. يجب أن يعزز الذكاء الاصطناعي التدريس البشري لا أن يحل محله. يجب أن يتعلم الطلاب بوتيرتهم الخاصة، ويتلقوا التغذية الراجعة دون إطلاق أحكام مستمرة، ويجربوا دون خوف. البيانات يجب أن تكون ملكاً للمتعلم لا للمؤسسة. وعلى المعلمين قضاء وقت أقل في مراقبة “المخرجات” ووقت أطول في القيام بما لا يفعله إلا البشر: التوجيه، الإلهام، وضع الأمور في سياقها، وممارسة الحكم الصائب.
​النمطية لم تكن يوماً “صرامة”

​يتناقض هذا النهج بشكل حاد مع الجامعات التي تعامل الذكاء الاصطناعي “كمشكلة غش” في المقام الأول. تلك المؤسسات تدافع عن نموذج بني على النمطية، والقلق، والحفظ، والتقييم، بدلاً من الفهم. يكشف الذكاء الاصطناعي حدود هذا النموذج لأنه يتيح نموذجاً أفضل: تعلم تكيفي يتمحور حول الطالب على نطاق واسع.
​لكن تبني هذا الاحتمال أمر صعب؛ لأنه يتطلب التخلي عن “الوهم المريح” بأن تدريس المحتوى نفسه للجميع، في الوقت نفسه، والحكم عليهم بنفس الامتحانات، هو ذروة الصرامة الأكاديمية. الحقيقة أن هذا النظام لم يكن يوماً يتعلق بكفاءة التعلم، بل بالراحة الإدارية. إنها ليست صرامة أكاديمية.. بل هي “صلابة الموتى”.


“مدارس ألفا” ووهم التغيير الجذري
​هناك بالطبع تجارب تدعي أنها تشير إلى المستقبل، مثل “مدارس ألفا” (Alpha Schools)، وهي شبكة صغيرة من المدارس الخاصة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي أولاً في الولايات المتحدة. فكرتهم جذابة: ينهي الطلاب المواد الأساسية في بضع ساعات بدعم من الذكاء الاصطناعي، مما يفرغ بقية اليوم للمشاريع والتعاون والتنمية الاجتماعية.

​لكن “مدارس ألفا” توضح أيضاً مدى سهولة ارتكاب الأخطاء: فما يقدمونه اليوم ليس منظومة تعليمية متطورة، بل طبقة رقيقة من تقديم المحتوى المدفوع بالذكاء الاصطناعي والموجه نحو السرعة وأداء الاختبارات. إن نموذج الذكاء الاصطناعي المستخدم هناك يبدو تبسيطياً، يولي الأولوية للتسارع على حساب الاستيعاب، وللكفاءة على حساب العمق. والنتيجة تشبه “الأتمتة” المتخفية في زي “الابتكار”.

​عندما يصبح الذكاء الاصطناعي “سيراً ناقلاً”
​هذا هو الخطر الجوهري: الخلط بين “التخصيص” و”التحسين الرقمي”، وبين “الاستقلالية” و”العزلة”، وبين “الابتكار” و”الأتمتة”. عندما يُعامل الذكاء الاصطناعي كـ “سير ناقل” (Conveyor Belt) بدلاً من أن يكون رفيقاً، فإنه يعيد إنتاج نفس العيوب الهيكلية للأنظمة التقليدية، لكن بشكل أسرع وأرخص.

​القصور هنا ليس تكنولوجياً، بل هو قصور في المفاهيم. التعليم الحقيقي المدفوع بالذكاء الاصطناعي لا يتعلق باستبدال المعلمين بروبوتات دردشة، بل بخلق بيئات يمكن للطلاب فيها التخطيط لعمليات تعلم معقدة وإدارتها والتفكير فيها؛ حيث يصبح الجهد والاستمرار مرئيين، وحيث تكون الأخطاء آمنة، والتغذية الراجعة مستمرة ومحترمة.

التهديد الحقيقي ليس الذكاء الاصطناعي
​لهذا السبب، فإن الهجوم العنيف ضد الذكاء الاصطناعي في الجامعات مضلل للغاية. فمن خلال التركيز على المنع، تفوت المؤسسات فرصة إعادة تعريف التعلم حول “النمو البشري” بدلاً من “السيطرة المؤسسية”. إنهم يتمسكون بالامتحانات لأنها سهلة الإدارة، لا لأنها فعالة. ويخافون من الذكاء الاصطناعي لأنه يفضح ما يعرفه الطلاب منذ زمن طويل: أن الكثير من التعليم العالي يقيس “المخرجات” ويهمل “الفهم”.

​الجامعات التي ستزدهر ليست تلك التي تحظر الأدوات أو تحيي طقوس التقييم من القرن التاسع عشر، بل هي التي ستعامل الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية تعليمية أساسية. ستدرك أن الهدف ليس أتمتة التدريس، بل تقليل عدم المساواة التعليمية، وتوسيع نطاق الوصول إلى المعرفة، وتفريغ الوقت والجهد للجوانب الإنسانية العميقة في التعلم.

الذكاء الاصطناعي لا يهدد التعليم؛ بل يهدد الأنظمة التي نسيت لأجل من وجد التعليم أصلاً.
​إذا استمرت الجامعات في رد الفعل الدفاعي، فلن يكون ذلك لأن الذكاء الاصطناعي أزاحها، بل لأنها — عندما واجهت أول تقنية قادرة على تمكين تعلم حقيقي يركز على الطالب — اختارت حماية طقوسها بدلاً من حماية طلابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى