
في لحظة تختبر فيها الدول بقدرتها على حماية ذاتها تثبت الجهات الامنية المختصة ان الدولة حاضرة وان الخرطوم ليست مدينة مستباحة ولا ارضا سائبة للفوضى. فالعمل الامني المتواصل داخل الاحياء السكنية يعكس ارادة واعية في بسط هيبة القانون ويؤكد ان الامن ليس رد فعل عابرا بل نهج دولة يقوم على التخطيط والمعلومة والانضباط والمسؤولية الوطنية وحماية المجتمع وصون استقراره.
وفي هذا السياق يبرز خيار وطني عملي يتمثل في الاستفادة من ضباط الشرطة المتقاعدين عبر عقود محددة وواضحة المهام والمدة. فهؤلاء يمثلون رصيدا مهنيا ومعرفيا تراكم عبر سنوات من الخدمة في التحري والانضباط والعمل الميداني وادارة الازمات. اعادتهم بعقود مؤقتة ليست حنينا للماضي بل استثمارا ذكيا في الخبرة يعزز قدرات الرصد والتفتيش ويغلق فجوات تشغيلية حساسة وينقل المعرفة للاجيال الجديدة دون ارباك للهياكل النظامية او اعباء دائمة. كما يحمل هذا التوجه بعدا اخلاقيا يحفظ كرامة من خدموا الوطن ويؤكد ان الدولة لا تهدر خبراتها بل تعيد توظيفها حين تحتاج.
من زاوية امنية خالصة لا يمكن قراءة ضبط المسيرات واجهزة الاتصال المتقدمة بوصفه حدثا معزولا بل دليلا على خطر مركب تمثله الخلايا النائمة. هذه الخلايا لا تواجه الدولة في العلن بل تعمل على تقويضها من الداخل تعيش بين الناس وتتحرك بصمت وتستثمر في الفوضى والفراغ وتنتظر لحظة التراخي لتدير نشاطها وتنسق عملياتها. وجود تقنيات حديثة داخل قلب العاصمة يكشف ان المعركة لم تعد تقليدية وان العدو راهن على التخفي واختراق المنظومة لا على المواجهة المباشرة.
غير ان اخطر ما في المشهد ليس السلاح المصادَر بل البيئة التي سمحت بوصوله. هنا يظهر الفساد كعدو داخلي لا يقل خطورة عن اي تهديد مسلح. فالفساد ليس مالا ينهب فقط بل واجب يهمل وبلاغ يؤجل وتفتيش شكلي وتوقيع يمنح بلا تدقيق. كل ثغرة ادارية هي مساحة تنفس للخلايا وكل صمت وظيفي هو وقت اضافي يمنح للفوضى كي تتمدد. بهذا المعنى يصبح الفساد شريكا صامتا في تهديد الامن العام وتقويض فكرة الدولة من اساسها.
ويكتمل المسار التصحيحي بفتح قنوات اتصال سرية وامنة بين الشعب والاجهزة الامنية تقوم على الثقة والحماية الكاملة للمبلغين. فالتواصل المباشر والامن يتيح للمواطن ان يؤدي دوره الوطني دون خوف او تردد ويمنح الاجهزة معلومة مبكرة قد تختصر زمنا وتمنع خطرا قبل وقوعه. هذه القنوات لا تعلن للاستعراض ولا تستخدم للدعاية بل تدار في صمت وبمهنية عالية تحفظ سرية المصدر وتتعامل مع البلاغ بجدية كاملة. وحين يشعر المواطن ان صوته مسموع وان هويته مصونة يتحول المجتمع كله الى شبكة يقظة تسبق الخلايا النائمة بخطوة وتغلق امامها مساحات التخفي.
الدولة القوية لا تخوض معركتها بالحلول المؤقتة بل بالمراجعة الجريئة والتصحيح الصارم. لذلك فان المواجهة الحقيقية مع الخلايا النائمة تقتضي قطع شرايينها لا ملاحقة ادواتها فقط وتقتضي قبل ذلك تجفيف منابع الفساد ومحاسبة كل تقصير يمس الامن الوطني دون حصانات او مجاملات لان الامن لا يحتمل المناطق الرمادية ولا يقبل انصاف الحلول.
ويفرض المسار التصحيحي كذلك تكاملا حقيقيا بين الاجهزة الامنية والعدلية والادارية حتى لا تضيع الجهود في فراغ اجرائي يبدد الانجازات. كما يفرض اشراك المواطن بوصفه شريكا اصيلا في الامن لا مجرد متلق للخدمة. فحين تتكامل المعلومة مع القرار ويتحول الابلاغ الى ثقافة تصبح الوقاية اسبق من العلاج ويصبح الامن مسؤولية جماعية.
العمليات الامنية الناجحة تبعث الطمانينة لكنها في الوقت نفسه تذكر بحقيقة اساسية ان المعركة طويلة وتحتاج نفسا طويلا. فاستعادة الامن لا تتحقق بضبط واحد بل ببناء منظومة يقظة تحارب الفوضى والفساد معا وتستثمر الخبرة الوطنية وتكرس العدالة والانضباط. حين تتحد الدولة بمؤسساتها وخبراتها ومجتمعها لا مكان لخلايا نائمة ولا بيئة للفساد. هكذا تبنى الدول وهكذا تحمى الخرطوم وهكذا يصان الوطن.





