مقالات

الخرطوم… حكاية الصبر والعودة

اشتياق الكناني | قصاصات متفرقة

 

لم تكن الحرب مجرد حدثٍ عابر في حياة الخرطوم، بل كانت امتحانًا قاسيًا لإنسانها وصبرها وقدرته على النهوض. وبين الألم والفقد، ظل الأمل حاضرًا في تفاصيل الناس، وفي إيمانهم العميق بأن هذه المدينة، مهما اشتدت عليها العواصف، قادرة على العودة من جديد.

كشخصٍ حضر الحرب، وهو موجود داخل السودان، وعاش كل تفاصيلها وسط الدانات والصواريخ والمدافع وأزيز الرصاص، وانعدام الخدمات، وانقطاع شبكات الاتصالات لفترات تطول وتقصر؛ علّمتني هذه التجربة أن نعي الدرس، وأن ندرك كيف كان الحال، وكيف سيكون بإذن الله.

هناك جنود كُثر ننتظر اليوم الذي نتحدث فيه عنهم، وعن بسالتهم واستبسالهم من أجل الأرض والعِرض. وهذا حديث نتركه إلى أن تنتهي الحرب، ويضع الجندي سلاحه، لينال شرف التكريم والتقدير من هذا الشعب الصابر المحتسب كل شيء.

لقد انتُزعت الورود البيضاء من طرق الخرطوم، واستُبدلت بالورود الحمراء التي حملت دماء السودانيين جميعًا.

لقد خُذِلنا، وتخاذلنا مراتٍ عدة في هذه الحرب التي امتحنت قيمنا وإنسانيتنا؛ فبينما كانت هناك منازل فتحت أبوابها للقادمين والضيوف وعابري الطريق، كانت هناك منازل أخرى تُنهب وتُنتهك حرمتها بأبشع خيانة من جارٍ أو صديق أو قريب، يسرقها بكل وقاحة، ويقبض ثمنًا بخسًا لن يشتري له كرامة البقاء في المكان الذي نهبه.

كم من مكانٍ يعرف من استباحه، ومن أهان أهله، ومن أكرمهم واحتواهم.
ورغم كل ذلك، ها هم أبناء الخرطوم يعودون، اختيارًا وبكامل الرضا، إلى مدينتهم التي يعرفونها وتعرفهم؛ ينفضون التراب عنها، ويعيدون الحوائط الآيلة للسقوط واقفةً عنيدة مثلهم.

ستجد في كل محليات الخرطوم أناسًا يعمّرون منازلهم، وأسواقهم، ومحلاتهم، وأماكن عملهم وانشغالهم. المدارس تُعمَّر، والمستشفيات تزدحم، والحدائق تُفتح، والطرق تُنار، وتزدهر الجسور بالعابرين الفرحين بزحمتها وتأخرهم المروري؛ فهي جسور تمد أيديها لهم ليعانق بعضهم بعضًا، كما يفعل النيلان في مقرن النيلين، حيث يهدأ البال، ويستريح المتعب من رهق الطريق والحياة.

ستعود هذه المدينة كما كانت وأفضل، بإنسانها وأهلها، بمحبتهم وتراحمهم وتوادّهم؛ فهي مدينة جعلت أبناءها يدركون الدرس جيدًا: لا بديل للخرطوم إلا الخرطوم نفسها.

ما زالت شامخة كشموخ أهلها؛ فهي عزتهم وقوتهم، وامتداد الحياة فيها، ونبض السودان الموحَّد، الجامع لكل سحناته السودانية، بسخطهم من شمسها الحارقة، وازدحام قلبها: السوق العربي، وضجيج المحطة الوسطى بحري، وارتِحال الوصول عبر الميناء البري، ورائحة العطور ودكاكين التيمان بسوق أم درمان، ومساومات الشراء مع بائع في سوق ليبيا.

هذه التفاصيل لنا، وهذه هي الحياة التي نعرفها.
كما يعرفها إدروب في دكاكين العيش بحي العرب حينما يصيح: *«جبنة، جنزبيل، بري»* وسط مغالطات كروية بين الهلال والمريخ.
وحسناء تجلس هناك، أقصى ملعب الهلال، تتجادل مع سائق ركشة حول السعر والتخفيض في مشوار، تفوز هي ويفوز سائق الركشة، فبين تفاصيل العرض والطلب مساحة وسطى ترضي الطرفين.

هكذا كانت الحياة هنا، قبل أن يتسلل إلينا الخوف والحريق، وتتبدل الأحوال.
ثم ابتُلعت مدينتنا في الظلام، ولكن الآن انفلق الصباح، وعادت لنا الخرطوم الجميلة.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى