الأخبارالسودانتقارير

الحملات الأمنية المصرية .. بين واجب الضيافة وحتمية الدولة

تقرير | محجوب أبوالقاسم

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023م تحولت مصر إلى واحدة من أكثر الدول استقبالا للسودانيين الفارين من الحرب التي شنتها المليشيا على الشعب السوداني وفتحت أبوابها دون قيود إنسانية واستقبلت مئات الالاف من الأسر التي وجدت في مصر ملاذا آمنا من الحرب والتشريد سواء كان بطرق شرعية او هجرة غير شرعية(التهريب) وذلك في مشهد يعكس عمق الروابط التاريخية والاجتماعية بين الشعبين ووحدة المصير التي فرضتها الجغرافيا قبل السياسة.

هذا الدور الإنساني الكبير الذي لا يمكن إنكاره أو القفز عليه يتزامن في الوقت نفسه مع حقيقة راسخة مفادها أن مصر دولة مؤسسات وقانون تقوم فلسفة استقرارها على حماية الأمن العام واحترام النظام وتطبيق القوانين على الجميع دون استثناء باعتبار ذلك حجر الزاوية في بقاء الدولة واستقرارها.

*الحملات الأمنية: تنظيم لا استهداف*
في هذا السياق جاءت الحملات الأمنية المكثفة التي تنفذها الأجهزة الأمنية المصرية خلال الفترة الأخيرة والتي أثارت جدلا واسعا في بعض الأوساط لا بوصفها استهدافا لجالية بعينها ولا حملة موجهة ضد السودانيين وإنما كإجراءات تنظيمية وأمنية تهدف إلى ضبط الواقع العام ومنع أي مظاهر انفلات أو فوضى قد تهدد السلم المجتمعي.
وتشير الوقائع الميدانية إلى أن بعض السودانيين كما هو الحال في أي تجمع بشري كبير اتجهوا إلى ممارسات مخالفة للقانون تمثلت في التسكع في الطرقات والتجمعات غير المنظمة والجلوس لفترات طويلة في القهاوي بصورة تعيق الحركة العامة فضلا عن أنشطة غير مرخصة ومخالفات تتعارض مع القوانين المصرية الأمر الذي استدعى تدخلا أمنيا حاسما لضبط هذه التجاوزات قبل تحولها إلى ظواهر تهدد الأمن والاستقرار.

*لا تضييق على الملتزمين*
المعادلة التي تحكم المشهد بوضوح أن كل سوداني ملتزم بقوانين الدولة المصرية لم يتعرض لأي تضييق أو مضايقة ويعيش حياته بصورة طبيعية ويتحرك بحرية في إطار القانون ويتمتع بحقوقه الإنسانية كاملة أسوة بسائر المقيمين على الأراضي المصرية
وعليه فإن هذه الحملات لا تقوم على أساس الهوية أو الجنسية وإنما تستهدف السلوك المخالف للقانون أيا كان مرتكبه وهو نهج ثابت في عمل الدولة المصرية التي لا تحاسب بالانتماء بل بالفعل.

*مصر بلد الاستضافة وبلد السيادة*
لا يمكن فصل البعد الإنساني عن البعد السيادي في إدارة ملف اللجوء والنزوح فمصر رغم كونها بلدا مضيفا تظل دولة ذات سيادة مسؤولة أولا وأخيرا عن أمن مواطنيها والمقيمين على أراضيها وعن حماية الاستقرار الداخلي وهو ما يجعل من فرض القانون ضرورة وطنية لا يمكن التهاون فيها.
فالضيافة لا تعني الفوضى والاحتضان لا يعني التفريط في هيبة الدولة والتسامح لا يلغي سيادة القانون.

*البعد الإقليمي والدولي للمشهد*
تأتي هذه الإجراءات أيضا في ظل ضغوط إقليمية ودولية متزايدة تواجهها الدول المستضيفة للاجئين حيث تتحمل مصر أعباء اقتصادية وخدمية ضخمة نتيجة استضافة أعداد كبيرة من السودانيين دون أن يقابل ذلك دعم دولي يتناسب مع حجم المسؤولية.
ومن هنا يصبح تنظيم الوجود الأجنبي وضبط المخالفات جزءا من إدارة رشيدة للموارد، وحماية للنسيج المجتمعي، وليس إجراء استثنائيا أو طارئا.

*وعي الجالية مسؤولية مشتركة*
يعول كثيرون على وعي الجالية السودانية نفسها في هذه المرحلة من خلال القيام بدور إيجابي في ضبط السلوك العام والابتعاد عن أي ممارسات تسيء لصورة السودانيين داخل المجتمع المصري، والإبلاغ عن أي تجاوزات قد تضر بالجالية.
كما أن الالتزام بالإجراءات القانونية الخاصة بالإقامة والعمل، والتعاون مع الجهات الرسمية يسهم في تقليل الاحتكاكات ويعزز مناخ الثقة والتعايش بين الدولة المضيفة والجالية السودانية.

*مناشدة للسودانيين*
وانطلاقا من هذه المعادلة تبرز مناشدة واضحة وصريحة لكل السودانيين المقيمين في مصر بالالتزام بقوانين البلد المضيف واحترام النظام العام وعدم التسكع في الطرقات وتجنب التجمعات غير المنظمة والقهاوي المخالفة والتقيد بالقوانين المنظمة للإقامة والعمل والحركة وإدراك أن السلوك الفردي ينعكس على صورة الجالية كاملة.

*سمعة السودان*
واكد السفير رشاد فراج الطيب في مقال صحفي على أهمية اضطلاع السفارات السودانية بدور فاعل ومسؤول في مواجهة السلوكيات السالبة لبعض أفراد الجاليات السودانية بالخارج مشددا على أن هذه التصرفات لا تعد أفعالا فردية معزولة بل تنعكس مباشرة على سمعة السودان ومصالح مواطنيه الملتزمين بالقانون في دول المهجر.
وأوضح السفير أن مكانة الدول في الخارج لا تقاس فقط بثقلها السياسي أو الاقتصادي وإنما بسلوك مواطنيها واحترامهم للقوانين والأعراف السائدة في البلدان المضيفة لافتا إلى أن أي تجاوزات سلوكية تمنح ذرائع جاهزة لتعميم الاتهام وتشديد القيود على الجاليات بما يضر بالأغلبية الملتزمة

ودعا إلى الانتقال من منطق رد الفعل إلى العمل الاستباقي عبر تعزيز أدوار السفارات في التوعية والتنظيم والمتابعة بالتنسيق مع تنظيمات الجاليات السودانية، معتبرا أن السفارة ليست جهة إجرائية فحسب بل تمثل الذراع السيادي للدولة وأداتها الناعمة في حماية صورة الوطن وصون كرامة مواطنيه.
كما شدد على ضرورة العمل المشترك بين السفارات وجهاز شؤون السودانيين بالخارج ووزارة العدل لوضع ترتيبات مؤسسية واضحة تضمن الحماية القانونية للسودانيين في الخارج محذرا من أن ضعف الإسناد القانوني قد يحول المخالفات البسيطة إلى أزمات إنسانية ودبلوماسية.
وطالب السفير وزارة المالية مع الاستعانة بموارد ديوان الزكاة بتوفير الحد الأدنى من الدعم الذي يمكن السفارات من مساندة الفئات الأكثر هشاشة من السودانيين بالخارج خاصة المعسرين والموقوفين على ذمة قضايا بسيطة مؤكدا أن تركهم دون سند يسيء لصورة الدولة ويقوض ثقة المواطن في مؤسساته.

ووكد على أن حماية المواطن السوداني في الخارج واجب وطني أصيل ومنظومة متكاملة لا تحتمل التهاون مشيرا إلى أن صورة السودان في الخارج تمثل ركيزة أساسية في معركته من أجل الاستقرار واستعادة الثقة وبناء الشراكات وصون مصالح ملايين السودانيين الشرفاء الذين ظلوا يقدمون نموذجا متفردا في العطاء والتكافل رغم قسوة الاغتراب.

*ختاما:*
الحملات الأمنية المصرية ليست مواجهة مع الوجود السوداني بل عملية تنظيم وضبط تهدف إلى حماية المجتمع وترسيخ سيادة القانون ومنع الانفلات في دولة تقوم على منطق المؤسسات لا المجاملات.
وبين واجب الضيافة وحتمية الدولة تبقى المعادلة واضحة فإن الالتزام بالقانون يحمي الجميع والفوضى لا تخدم أحدا لذلك يصبح احترام القانون ليس فقط واجبا قانونيا بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تحفظ كرامة اللاجئ وتصون هيبة الدولة وتحمي أمن المجتمع معا.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى