
رمضان هذا العام هلّت بشائره في السودان ويختلف تمامًا عن سابقه، إذ تشهد البلاد تحولات عسكرية، وسياسية، وتنفيذية.
القوات المسلحة تمضي قدماً في تطهير البلاد من رجس التمرد، فيما يشتد الحصار على مليشيا الدعم السريع على المستوى السياسي بفعل جرائمها غير المسبوقة ضد المدنيين.
العاصمة أيضًا استقبلت رمضان وكأنها “عروس” بعد العودة المكثفة للمواطنين ونظافة وتأهيل الأحياء ومزاولة الجهاز التنفيذي برئاسة د. كامل إدريس لمهامه رسمياً في منتصف يناير الماضي من داخل ولاية الخرطوم، فضلاً عن تزايد مؤشرات العودة.
الحياة
يحلُّ شهر رمضان هذا العام على الخرطوم وبقية المناطق التي تم تطهيرها بصورة مختلفة، حاملاً دلالات متعددة.
يجيء شهر القرآن والعبادة والصبر والجهاد كمؤشر ديني، وسياسي، وأمني، واجتماعي، على تحوّل عام، وانتقال من طور الصدمة والخوف والهلع إلى طور الإيمان والتماسك واستعادة الإيقاع الطبيعي للحياة.
الأسواق التي عادت للعمل، وحركة المواصلات، وعمل المرافق الخدمية أبوابها تدريجياً، وعودة المواطنين إلى الأحياء، وامتلاء المساجد بالمصلين.
من جانبه، يقول الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة العميد فتح الرحمن محمد التوم بحسب ـ«الكرامة» إنّ ولاية الخرطوم تشهد هدوءًا تاماً في الأحوال الأمنية والجنائية مع انخفاض ملحوظ في مستوى الجرائم المبلغ عنها.
ويرجع ذلك حسب التوم، لتنفيذ خطة أمنية محكمة تشارك فيها كل الأجهزة الأمنية والنيابة والقضاء.
وأوضح التوم بأن الخطة تركّزت على تسيير الأطواف المشتركة والدوريات والارتكازات الثابتة والمتحركة، فضلاً عن عمل دوريات النجدة ونشر كاميرات المراقبة وآلية محاربة الجرائم المرتكبة بواسطة مستخدمي الدرجات النارية (٩ طويلة).
وأشار العميد فتح الرحمن إلى أنّ الخرطوم تشهد عودة كبيرة للمواطنين في مختلف المحليات بفضل الجهود الأمنية.
بالمقابل، يقول الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. عمار العركي إنّ المؤشرات القادمة من الخرطوم لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحسن النسبي في البيئة الأمنية والخدمية فالأمن ــ في مثل هذه السياقات ــ لا يُقاس بالبيانات الرسمية وحدها، بل بقدرة المواطن على الخروج ليلاً لشراء احتياجاته، وبعودة صوت الأذان من المساجد العامرة، وبإحياء موائد الإفطار الجماعي في الطرقات والشوارع – التي كانت خربة ومدمرة ومهجورة – التي تعكس استعادة الأمن والأمان وتنزيل قيم وروحانيات رمضان بين الناس ومحيطهم.
ويستشهد العركي باستعدادات مسجد «سيدة سنهوري» وعودته لصلاة الجماعة والتراويح وهو ما يمثل نموذجاً دالاً على هذا التحول من حال إلى حال، فالمسجد الذي كان شاهدًا على قسوة وإجرام وفسوق ميليشيا الدعم السريع وأعوانهم، عاد ليكون منارة طمأنينة وبداية لحراك اجتماعي يمتد إلى الأسواق والأحياء.
ويواصل العركي بأن عودة المساجد، تعني عودة الحياة معها واستعادة الأحياء نبضها الطبيعي، مشيرًا إلى أنّ رمضان هذا العام يبدو أقرب إلى إعلان اجتماعي بأن الخرطوم وكل منطقة محررة لم تُكسر، وأن دورة الحياة أقوى من محاولات تفكيكها. وبالرغم من أنّ مشوار الإعمار ودرء آثار الحرب لا زال طويلاً، فالخدمات تحتاج إلى إعادة تأهيل، وبنية تحتية تضررت، وجرح إنساني لم يلتئم بعد، لكن المؤشر الأهم هو تحوّل الخوف إلى حذر، والحذر إلى اعتياد، والاعتياد إلى أمل، والأمل أصبح واقعًا وحقيقة.
الساعة
ويقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد الأمين مصطفى إنّ أنفاس رمضان بالخرطوم تؤكد ازدحام الأسواق بشكل ملحوظ مع ملاحظة التقدّم المضطر في الخدمات الصحية، إذ تقوم عشرات المستشفيات والمراكز الصحية تقوم بخدمة الكثير من المواطنين على مدار الساعة.
وأضاف الأمين بأنّ هنالك تدفق بشري يومي على الخرطوم الكبرى وعلى وجه الخصوص بمحليتي أم درمان وبحري مع مشاهدة الدهشة واللهفة من المواطنين العائدين لرؤية ما تبقى من بيوتهم وممتلكاتهم وقبلها مقابلة أهلهم وذويهم بروح إنسانية وحنان بشري متلازم.
ويري محدّثي بأنّ خدمات الكهرباء في تسارع وفق برنامج عمل ضاغط تحت ظل ظروف أقل ما توصف بأنها معقدة.
وتقوم فرق العمل بأدوار غاية في الأهمية لأنّ الكهرباء تشكل عصب الحياة. أما خدمات المياه فهي الأوفر والأشمل على نطاقٍ واسع، مما شكل ملمحًا أساسياً من ملامح الاستقرار.
ويواصل الأمين في معرض الطرح ويقول إنّ ولاية
الخرطوم تقوم بأدوار استراتيجية ومهام جسام منذ قيام الحرب وإلى حين تمدد الأمكنة الآمنة وطرد العدو منها من قبل القوات المسلحة والقوات المساندة لها. لافتًا أن ما تبقى هو أن تتجه الدولة بكلياتها لإكمال جسر شمبات الذي يشكل عودة الحياة كاملة إلى بحري والخرطوم.
المصدر | صحيفة الكرامة




