
استضاف بودكاست الوطنية في حلقته الأولى عن تاريخ مدينة أم درمان البروفيسور عثمان عبد العزيز الجندي، في حوارٍ استثنائي أعاد فيه رسم البدايات الأولى لمدينة أم درمان، ليس بوصفها نشأة مكان، بل تَشكُّل معنى. حيث انطلق الحديث من العصور السحيقة، حين لم تكن المدينة سوى أثرٍ في الذاكرة الجيولوجية، قبل أن تصبح لاحقاً أحد أهم مراكز الوعي الوطني في السودان.
توقف البروفيسور الجندي عند جذور أم درمان في العصر الحجري، مشيراً إلى أن المكان كان مأهولاً قبل أن يُعرَّف، وأن الإنسان الأول لم يكن يبحث عن مدينة، بل عن حياة. ثم انتقل بالحديث إلى مرحلة مملكة علوة، حيث بدأت المنطقة تدخل في سياق حضاري أوسع، قبل أن تتشكل ملامحها بشكل أوضح في ظل السلطنة الزرقاء، التي أسست لنمط من الاستقرار السياسي والاجتماعي انعكس على طبيعة العمران والبنية المجتمعية.
وفي تناوله لفترة الحكم التركي في السودان، أوضح أن أم درمان لم تكن بعد مركزاً رئيساً، لكنها كانت تتهيأ لدور أكبر، سيظهر جلياً مع اندلاع الثورة المهدية، التي نقلت المدينة من الهامش إلى القلب، وجعلت منها عاصمة سياسية وروحية، وحددت لأول مرة ملامحها وحدودها القديمة كمدينة ذات ثقل وتأثير.
وأشار البروفيسور إلى أن أم درمان، بعد اضمحلال الدولة المهدية، لم تفقد روحها، بل أعادت تشكيل نفسها في ظل الحكم الإنجليزي المصري في السودان، حيث بدأت ملامح التحديث تظهر تدريجياً، خاصة مع تطور البنية الإدارية وفتح المجال أمام التعليم النظامي، الذي مثَّل نقطة تحول في وعي المجتمع.
كما استعرض البروفيسور عثمان الجندي بدايات الحراك الثقافي والاجتماعي، من خلال نشأة أول نادي للخريجين، وقيام جمعية الاتحاد، وظهور صالون فوز الأدبي، بوصفها مساحات جديدة للنقاش وتبادل الأفكار، أسهمت في تشكيل طبقة مثقفة كان لها دور محوري في تطور الحركة الوطنية.
ولم يغفل الحديث الإشارة إلى اللواء الأبيض، كأحد التعبيرات المبكرة عن الوعي السياسي المنظم، حيث مثَّلت ثورة ١٩٢٤م لحظة انفجار هذا الوعي في مواجهة الاستعمار.
وأكد البروفيسور الجندي أن أم درمان لم تكن مجرد مدينة تتطور عبر الزمن، بل كانت كائناً حياً يعيد تعريف نفسه مع كل مرحلة، حيث تداخلت فيها الجغرافيا بالتاريخ، والثقافة بالسياسة، لتصبح نموذجاً فريداً لمدينةٍ تصنع وعيها كما تصنع شوارعها.
وفي ختام الحلقة، خلص الحوار إلى أن فهم أم درمان لا يكتمل بالنظر إلى حاضرها فقط، بل بالعودة إلى تلك الطبقات العميقة من تاريخها، حيث تكمن الإجابة على سؤالٍ أكبر “كيف تتحول الأمكنة إلى ذاكرة وكيف تصير المدن أوطاناً”.
الحلقة التي بُثّت على موقع الجامعة الوطنية ومنصاتها باليوتيوب والفيس بوك وتويتر من إعداد وتقديم منى أبوزيد.





