مقالات

الاهتمام في العلاقات العاطفية… حين يكون الحضور أهم من الكلمات

هدي الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة

في العلاقات العاطفية، لا يُقاس الحب بكثرة الوعود ولا بضخامة المشاعر المعلنة، بل بقدر الاهتمام الذي يُترجم إلى أفعال يومية صغيرة، لكنها شديدة التأثير. فالاهتمام هو اللغة الصامتة التي يفهمها القلب قبل العقل، وهو الميزان الحقيقي الذي تُختبر به صدقية المشاعر واستمراريتها.
الاهتمام: العمود الفقري للحب

يرى مختصون في علم النفس أن الاهتمام يمثل الركيزة الأساسية لأي علاقة عاطفية ناجحة. فالحب الذي لا يُدعَّم بالاهتمام يتحول مع الوقت إلى شعور هش، قابل للذبول عند أول اختبار. وقد يخطئ البعض حين يختزل الاهتمام في الرسائل المتكررة أو الأسئلة الروتينية، بينما جوهره أعمق من ذلك بكثير.

الاهتمام يعني الإصغاء دون مقاطعة، والتذكر دون تذكير، والحضور في اللحظات الصعبة قبل اللحظات السعيدة.
الغياب العاطفي… أخطر من الفراق
تشير دراسات اجتماعية إلى أن أحد أكثر أسباب انهيار العلاقات العاطفية ليس الخيانة أو الخلافات الحادة، بل ما يُعرف بـالغياب العاطفي. أن يكون الشريك موجودًا جسديًا، لكنه غائب وجدانيًا، لا يرى التغيرات، ولا يلتقط الإشارات، ولا يبادر بالسؤال.

هذا النوع من الإهمال الصامت يولّد شعورًا بالوحدة داخل العلاقة نفسها، ويجعل الطرف الآخر يبحث عن الاهتمام خارجها، أو ينسحب بصمت.
الاهتمام اليومي يصنع الأمان
في العلاقات الصحية، يُترجم الاهتمام إلى سلوكيات بسيطة: رسالة صباحية صادقة، سؤال في وقت تعب، مشاركة تفاصيل اليوم، احترام المزاج والمساحة الشخصية. هذه التفاصيل، وإن بدت عادية، تبني شعورًا عميقًا بالأمان العاطفي.

ويؤكد خبراء العلاقات أن الشعور بالأمان هو ما يسمح للحب بالنمو والاستمرار، إذ لا يمكن لعلاقة أن تزدهر في بيئة يشوبها التجاهل أو اللامبالاة.
وسائل التواصل… اختبار حقيقي للاهتمام
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تغيّرت معايير الاهتمام في العلاقات العاطفية. فأصبح التفاعل الرقمي جزءًا من تقييم المشاعر، ما خلق أحيانًا سوء فهم وضغوطًا غير مبررة.

ويحذّر مختصون من الوقوع في فخ المقارنة، مؤكدين أن الاهتمام الحقيقي لا يُقاس بسرعة الرد أو بعدد الإعجابات، بل بصدق التواصل وجودته خارج العالم الافتراضي.
حين يصبح الاهتمام واجبًا لا اختيارًا

في بعض العلاقات، يتحول الاهتمام إلى عبء يُمارس بدافع الخوف من الفقد، لا بدافع الرغبة. وهنا تفقد العلاقة روحها. فالاهتمام القسري لا يمنح الطمأنينة، بل يزيد من هشاشة العلاقة ويعمّق الشعور بعدم التقدير.
العلاقات الناضجة تقوم على اهتمام متبادل، حر، ومتوازن، لا إفراط فيه ولا تفريط.
كيف نحافظ على الاهتمام؟

الحفاظ على الاهتمام يتطلب وعيًا مستمرًا بأن المشاعر، مهما كانت قوية، تحتاج إلى رعاية. فالعلاقة العاطفية ليست حدثًا يقع مرة واحدة، بل مسار طويل من الاختيار اليومي.
الاعتراف بالتقصير، تجديد الحوار، وملاحظة التغيرات النفسية للشريك، كلها ممارسات تعيد للاهتمام حضوره وتمنع تحوّله إلى عادة باهتة.
خاتمة
في النهاية، قد ينسى الإنسان الكلمات الجميلة، وقد تخفت الذكريات مع الوقت، لكنّه لا ينسى شعورًا منحه إياه شخص أحبه. والاهتمام، في العلاقات العاطفية، هو الشعور الذي يبقى. هو الدليل الصامت على أن الحب ما زال حيًا، يتنفس، ويختار البقاء.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى