مقالات

الأم… أيقونة الكرامة وصانعة الأمل

حسن السر يكتب | حد القول

يوم الأم ليس مجرد مناسبة اجتماعية للاحتفال بالمرأة التي منحت الحياة، بل هو رمز عميق للتضحية والصبر والكرامة. في معركة الكرامة، كانت الأم حاضرة في الصفوف الأولى، تحمل هموم الوطن على كتفيها، وتواجه الصعاب بروح لا تنكسر. لقد كانت الأم السودانية مثالًا للصمود، وهي ترى أبناءها يقاتلون من أجل الحرية والكرامة، فيما تتحمل هي عبء الفقد والانتظار، وتواصل غرس قيم العزة في نفوس الأجيال.

لم يكن استهداف مليشيات الدعم السريع الجنجويد الإرهابية للأمهات والأسر إلا محاولة لكسر إرادة الشعب، لكن الأم أثبتت أنها أقوى من كل محاولات القهر. فهي التي تداوي الجراح، وتبني من الألم قوة، وتحوّل الحزن إلى طاقة مقاومة. لقد أصبحت الأم رمزًا للثبات، ودرعًا يحمي المجتمع من الانهيار، وصوتًا يطالب بالحق مهما اشتدت العواصف.

تكريم الإسلام للأم
لم يكتفِ الإسلام بالدعوة إلى احترام الأم، بل جعل برّها مقرونًا بعبادة الله تعالى. قال الله عز وجل:
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: 15].
وقال أيضًا:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].

أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد رفع مكانة الأم فوق الجميع، فعندما سأله رجل: “يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟” قال: “أمك”. قال: ثم من؟ قال: “أمك”. قال: ثم من؟ قال: “أمك”. قال: ثم من؟ قال: “أبوك” (رواه البخاري ومسلم).

هذا التكرار ثلاث مرات يوضح عِظم مكانة الأم وفضلها، وأنها تستحق أعظم درجات البر والإحسان.

قصة عيد الأم في العالم العربي (مصر نموذجًا):
بدأت الشرارة الأولى حين زارت امرأة مكتب الصحفي الراحل مصطفى أمين، وروت له قصة كفاحها؛ فقد مات زوجها وهي شابة، وكرست حياتها لتربية أبنائها، رافضة الزواج، وعملت حتى أصبحوا ذوي مناصب عالية، ولكن بعد زواجهم، تنكروا لها وجحدوا فضلها.

تأثر مصطفى أمين بشدة بهذه القصة، ونشرها في كتابه أمريكا الضاحكة، ثم بدأ ينادي في عموده الصحفي “فكرة” بضرورة تخصيص يوم لتكريم الأم. وبعد نقاشات، تبنى وزير التعليم آنذاك الفكرة، وتم اختيار 21 مارس، أول أيام الربيع، ليكون عيدًا للأم، رمزًا للعطاء والخير. ومنذ عام 1956 أصبح هذا اليوم مناسبة رسمية للاحتفال بالأم في مصر، ومنها انتشر إلى العالم العربي.

قصة عيد الأم عالميًا:
أما عالميًا، فتعود الجذور إلى آنا جارفيس في الولايات المتحدة عام 1908، حين أرادت تحقيق أمنية والدتها في أن يكون هناك يوم لتكريم الأمهات. وبعد وفاة والدتها عام 1905، نظمت حملة لإقرار هذا اليوم، ونجحت في إقامة أول احتفال رسمي عام 1908، ثم أقرته الحكومة الأمريكية رسميًا عام 1914 ليصبح عيد الأم مناسبة وطنية. ومن هناك انتشر إلى مختلف أنحاء العالم.

لماذا نحتفل به؟
عيد الأم ليس مجرد هدية أو كلمات عابرة، بل هو وقفة إنسانية لتقدير التضحيات التي تبذلها الأمهات يوميًا، والاعتراف بدورهن كركيزة أساسية في بناء الأسرة والمجتمع. الأم تستحق الاحتفال بها كل يوم، وكل دقيقة، وكل ثانية، وكل برهة. فهي ليست مجرد شخص في حياتنا، بل هي الحياة نفسها، وهي الوطن في أبهى صورة، وهي الكرامة التي لا تُشترى ولا تُباع.

الاحتفال بعيد الأم يذكّر البشرية بأن وراء كل نهضة إنسانية امرأة صابرة، معطاءة، ومؤمنة برسالتها. لكن في السودان، يكتسب هذا اليوم معنى مضاعفًا، إذ يتقاطع مع نضال الأمهات في مواجهة القهر والظلم، ليصبح عيد الأم عيدًا للكرامة أيضًا.

آخر القول
في عيد الأم، لا نكتفي بالورود والكلمات، بل نجدد العهد بأن نكون أوفياء لتضحياتها، وأن نحمل رسالتها في الدفاع عن الحق والكرامة. الأم هي الجدار الذي لا يسقط، والنور الذي لا ينطفئ، والذاكرة التي تحفظ تاريخ الشعوب. فلتكن كل أيامنا عيدًا لها، ولتظل هي العنوان الأجمل للإنسانية.

كل عام وأنتِ بخير وصحة وسلامة وعافية وستر من الله يا أمي الغالية.
كل عام وأنتِ بخير وصحة وسلامة وعافية وستر من الله يا ستهم

كسرة
“الأم مدرسة إذا أعددتها… أعددت شعبًا طيب الأعراق.”

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى