مقالات

 إبراهيم شقلاوي يكتب :  اقتصاد ما بعد الحرب والوساطة الدولية…

 

 

نبتدر هذا المقال بسؤال مهم نحاول من خلاله فهم التطورات المتسارعة المتعلقة ملف السلام  في السودان والتي بعضها ظاهر للعيان وبعضها في الخفاء ،لماذا تسارعت الضغوط الدولية في لحظة تقدّم الجيش؟

لم يعد سؤال السلام في السودان سؤالًا أخلاقيًا أو إنسانيًا فحسب، بل تحوّل إلى معادلة سياسية اقتصادية ، تتقاطع فيها حسابات الميدان مع رهانات الاستثمار، وتتصارع فيها سرديتان: سردية الدولة التي ترى في الحسم العسكري شرطًا للسيادة ، وسردية القوى الدولية التي ترى في “السلام السريع” بوابة لإعادة ترتيب السوق السياسي والاقتصادي في السودان.

تصريح الرئيس الأميركي ترامب بالأمس بأن نهاية الصراع في السودان باتت “وشيكة للغاية”، مع إشاراته إلى مؤتمر المانحين ودعم واسع لإعادة الإعمار، يشكل محورًا مهم لفهم المشهد السياسي والاقتصادي الراهن.

يتزامن ذلك مع ما أعلنته وزارة الخارجية الأميركية عن إطلاق صندوق إنساني لدعم السودان، جمع تعهدات مالية بقيمة 1.5 مليار دولار، منها 200 مليون دولار من الولايات المتحدة. وتهدف المبادرة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية للفئات الأكثر احتياجًا وتعزيز تقاسم الأعباء بين المانحين، مع توقع عقد اجتماع في 15 أبريل القادم في برلين لحشد دعم إضافي. كما يشارك في الحدث المسؤولين الأميركيين والأمم المتحدة.

واضح الخطاب الأميركي لا يقتصر على السلام أو الدعم الإنساني، بل يفتح الباب أمام فرص استثمارية واسعة في السودان، بالنظر إلى موقعه الجيوستراتيجي المطل على البحر الأحمر وموارده الطبيعية الغنية.

هنا يصبح السلام أداة مزدوجة : حماية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة وتأمين فرص اقتصادية ضخمة للاستثمار واعادة الاعمار، تعرض على السودان خلف الأبواب المغلقة كحافز لإنهاء الحرب سريعًا.

ذلك ربما يؤكده إعلان كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، عن التوصل إلى صيغة نهائية لاتفاق وشيك كغطاء سياسي لهذا الطرح. لكنه يكشف في الوقت نفسه محدودية الرباعية الدولية كإطار مقبول لأي تسوية محتملة: فآليات انسحاب القوات وتسريع المساعدات الإنسانية بنظر السودانين غالبًا ما تُستخدم لتثبيت مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع، وليس لإنهاء التمرد أو حماية المدنيين.

كذلك كلما حقق الجيش تقدّمًا ، تبرز هذه الدعوات كغطاء سياسي لمحاولة إعادة ترتيب النفوذ لصالح المليشيا، بدل أن تكون خطوة نحو السلام الحقيقي.

في المقابل واصل الجيش السوداني تعزيز سيطرته على الأرض. فالرئيس البرهان أكد أن الجيش “قادم لتحرير الفاشر”، فيما شدد الفريق شمس الدين كباشي على استمرار العمليات حتى “تطهير كامل تراب الوطن”، دون أي تفاوض مع المليشيا .هذه الانتصارات ، تعتبر أساس حقيقي لترسيخ السيادة الوطنية، بما يمنح الخرطوم القدرة على فرض شروطها على أي وساطة.

هنا تظهر أهمية ورقة إعادة الإعمار التي تتجاوز الأبعاد الاقتصادية. فالحكومة السودانية تمتلك القدرة على توظيفها لتعزيز رؤيتها الوطنية للحل: باعتبار مليشيا الدعم السريع تمردًا يجب إنهاؤه، تمهيدًا لتسريح عناصرها ونزع سلاحها وإعادة دمجهم بعيدًا عن العملية السياسية، وتحويل الإعمار إلى أداة لإعادة بناء الدولة، لا منصة لتوزيع عقود الاستثمار على شركات أجنبية أو على طبقة أوليغارشية محلية أو إقليمية قد تتحكم في مشروع التسوية و موارد الدولة السياسية والاقتصادية.

هذه الطبقة، إن ظهرت، ستكون جزءًا من منظومة اقتصادية – سياسية تعمل في الخفاء تحدد من يربح من السلام ومن يتحكم في مستقبل البلاد والموارد.

على الصعيد الدبلوماسي، جاءت زيارة رئيس الوزراء إلى جنيف فيما يبدو لتأكيد الاستراتيجية الوطنية : نقل مركز الثقل من ساحات القتال إلى ساحات الشرعية الدولية، وتحويل خطاب القوة إلى خطاب الدولة، وتسويق مبادرة حكومة الأمل للسلام كمرجعية دولية وحيدة لأي تسوية محتملة.

الاجتماعات مع منظمات حقوق الإنسان، الصحة العالمية، واللاجئين، تهدف إلى إعادة صياغة سردية السودان: من بلد أزمة إلى دولة مشروع، ومن بلد منهك إلى دولة تبحث عن سلام يُبنى بالقانون وإرادة السودانيين، لا بالوصاية الخارجية أو توازن المصالح الإقليمية والدولية.

ذلك يسنده منطق داخلي يرى أن أي سلام بلا تفكيك للتمرد هو إعادة إنتاج للأزمة. في هذا السياق، تعتبر زيارة رئيس الوزراء إلى جنيف ، محاولة لإعادة تعريف الأزمة سودانيًا على المسرح الدولي.

كما أن الزيارة تبني ثلاثة مسارات متوازية: تأكيد الشرعية الأخلاقية عبر ربط الانتهاكات بتمرد مسلح، وليس بصراع سلطوي، وإعادة تموضع الدولة داخل القانون الدولي الإنساني. بجانب تحويل التعاطف الإنساني إلى دعم سياسي، من خلال ربط ملفات الإغاثة والصحة واللاجئين بتحقيق السلام كحل جذري، لا كمجرد هدنة إنسانية.

أيضا تهيئة المسرح الدولي للاعتراف بالمبادرة السودانية للسلام، بوصفها المرجعية الوحيدة لأي تسوية محتملة ، وإغلاق الطريق أمام المبادرات الموازية. بهذا المعنى، لم تعد المبادرة وثيقة داخلية، بل مشروع دولة يُسوّق دوليًا، في مواجهة محاولات اختزال الحرب في نزاع داخلي.

الرسالة النهائية واضحة: بحسب #وجه_الحقيقة السلام في السودان ليس مجرد هدنة، بل مشروع إعادة ترتيب سياسي– اقتصادي فيما يعرف باقتصاد ما بعد الحرب الذي تنشط بموجبه الوساطة الدولية.

لذلك الانتصارات العسكرية ، المرافقة للخطاب السياسي والدبلوماسي ، و إعادة الإعمار وفق رؤية وطنية، تجعل أي ضغط أو وساطة دولية مرتبطًا بشروط الخرطوم وحدها. حتي يستطيع السودان أن يكتب قواعد جديدة للوساطة ، ويحوّل السلام إلى أداة للسيادة الوطنية قبل أن يكون فرصة اقتصادية للآخرين، تأكيدا علي أن السلطة لا تُمنح، بل تُنتزع وتُفرض.
دمتم بخير وعافية.

Shglawi55@gmail.com

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى