
لم تكن صلاة عيد الفطر في ذلك العام تشبه أي عيد مضى في تاريخ السودان أو في ذاكرتنا المثقوبة بالوجع، فقد اختلطت تكبيرات العيد “الله أكبر ولله الحمد” بأصوات الانفجارات المدوية، وتحولت الشعيرة المقدسة إلى طقوس يغلفها الرعب الجنائزي والوجوم التام، وكأننا نشيع وطناً في صبيحة يوم فرحه المفترض، وسط ذهول الصغار الذين لم يرتدوا ثياب العيد بل ارتدوا الخوف.
■ في سماء الخرطوم الجريحة، كان طيران الجو يرسم أخاديد من الصوت المرعب الذي يشق عنان السماء، وكان صدى القصف في أحياء بحري العريقة وأم درمان القديمة يرتد في صدور المصلين داخل مساجدنا وساحاتنا، ليقطع حبل الخشوع ويشتت التركيز في لحظات كان من المفترض أن تكون للأمن الروحي والطمأنينة النفسية التي سُلبت منا قسراً في غفلة من الزمان.
■ كان دوي المدافع الثقيلة يزلزل الأرض تحت أقدام المصلين، وبين كل سجدة وأخرى، كان هناك انفجار يهز أركان الحي، ليذكرنا بأن الموت لا يزال يتجول بحرية مطلقة في أزقة العاصمة، يحصد الأرواح بلا هوادة ولا يفرق بين مئذنة مسجد أو ثكنة عسكرية، في مشهد سريالي لم تكن العين لتتخيل قسوته لولا مرارة الواقع الذي صبغ أيامنا بالرماد والبارود.
■ على بعد نحو خمسة كيلومترات فقط من الناحية الشرقية لمنطقة “الصفوة”، وتحديداً على طريق الصادرات الحيوي، كان هناك جحيم مستعر يتشكل في الأفق؛ حيث انصب غضب القصف الجوي المبرح على تجمعات ومتحركات أفراد المليشيا، في ضربات جراحية دقيقة ومكثفة لم تترك لهم أي مجال للمناورة أو الالتفات نحو الخلف، مما حول المنطقة إلى ساحة مفتوحة من اللهب.
■ مشاهد الهزيمة والانكسار هناك كانت تحكي تفاصيل الساعات الأخيرة، حيث تحولت العربات القتالية “التاتشرات” إلى توابيت حديدية متفحمة تنقل الجرحى الذين غطت الدماء ملامحهم، بينما ضاقت مراكز “الصفوة” الصحية بضجيج الأنين الرهيب، وامتلأت ممراتها بأجساد ملقاة على الأرض صبغت المكان برائحة الموت الكريهة التي زاحمت رائحة بخور العيد المعتادة في البيوت.
■ أما قتلاهم الذين سقطوا في تلك المعارك، فقد جيء ببعضهم في مشهد استفزازي وغريب إلى ذات المحراب الذي أقيمت فيه صلاة العيد، في محاولة يائسة من أفراد المليشيا لفرض واقع جنائزي قسري، ومطالبة المصلين المكلومين بأداء صلاة الجنازة على من كانوا هم السبب المباشر في ترويعهم ونهب ممتلكاتهم وتشريد عائلاتهم في رحلة نزوح مجهولة المعالم.
■ في تلك اللحظة الفارقة والمشحونة بالتوتر، اتخذت ومعي ثلة من الزملاء والأصدقاء قراراً صامداً نابعاً من إيماني العميق بالعدالة الإلهية؛ فما إن أُحضر هؤلاء المعتدون حتى غادرنا تجمع الصلاة فوراً في موكب صامت، رافضين أن نمنحهم شفاعة الدعاء أو وقفة الصلاة وهم الذين أذاقوا الأبرياء والنساء والضعفاء في كل السودان صنوف العذاب والتنكيل وحولوا نهارنا إلى ليل بهيم.
■ غادرنا بوجوه حزينة لكنها شامخة، مدفوعين بقناعة راسخة بأن من استباح الدماء المحرمة وانتهك الحرمات وروّع الآمنين في بيوتهم لا يستحق الصلاة عليه حتى بعد مماته، فالمحراب مكان طاهر يجمع الأنقياء، ولا يقبل من تلطخت يداه بآلام المستضعفين ودموع اليتامى الذين فقدوا آباءهم تحت سياط الظلم والعدوان الغاشم الذي لا يفرق بين حلال وحرام.
■ مضى نهار ذلك العيد ثقيلاً كجبل من الرصاص، ومثقلاً بجراح نفسية عميقة لا تندمل بسهولة، كان صمتاً حزيناً ومخيفاً يخيم على البيوت التي كانت يوماً تضج بضحكات الأطفال ورائحة الخبيز والتهاني، لتصبح اليوم سجناً كبيراً يحاصره الاحتياج الخانق والخوف المتربص في كل زاوية من زوايا الحي الصامد الذي تحول إلى ثكنة عسكرية بلا روح.
■ الجيران من محدودي الدخل وأصحاب المهن البسيطة، أولئك الصابرون الذين قهرتهم الظروف الحربية القاسية، وجدوا أنفسهم في صباح العيد بلا “قوت يوم”، وبدأت ملامح النزوح المرير والاضطراري ترتسم على وجوههم الشاحبة وهم يغادرون “الصفوة” مشياً على الأقدام، بحثاً عن أمان مفقود ولقمة عيش تستر أطفالهم الجوعى الذين لم يتذوقوا طعم فرحة العيد هذا العام.
■ من بقي منهم صامداً خلف الجدران المتصدعة، لم يجد ملاذاً سوى بعض أصحاب البقالات المجاورة، يطرقون الأبواب بكسرة نفس ودموع حائرة طلباً للاستدانة، يرجون الحصول على مواد تموينية بسيطة “رطل سكر أو كيلو دقيق” تمنع عن فلذات أكبادهم شبح الجوع القاتل الذي بدأ ينهش أجسادهم الصغيرة في ظل غياب تام لكل مقومات الحياة الكريمة.
■ في عصر ذلك اليوم الكئيب، جمعتنا جلسة عصف ذهني اضطرارية أمام منزلي، كان يجلس بجانبي الصديق العزيز الأستاذ محمد عبد الله يعقوب، ونجلي عبد الخالق يشاركنا الجلسة التي حاولنا من خلالها قراءة الواقع المعقد واستيعاب ما آلت إليه الأمور في وطن يتشظى أمام أعيننا، محاولين الحفاظ على بصيص أمل في ليل الظلمة الحالك الذي غطى سماء “الصفوة”.
■ كنا نتسامر بحديث يقطر حزناً ويشوبه القلق والترقب الدائم، نحاول استشراف مستقبلنا ومستقبل السودان وسط هذا الركام النفسي والمادي، وبينما نحن في خضم النقاش العميق والتحليل المتوجس، شق سكون السماء فجأة صوت طائرة “الانتنوف” وهي تحلق فوق فضاء “الصفوة” بارتفاع منخفض، مزمجرة بمحركاتها التي تثير الرعب في النفوس وتنبئ بجولة جديدة من القصف.
■ فجأة، وبلا سابق إنذار، انطلقت مدافع مضادات الطيران التابعة للمليشيا من كافة الاتجاهات داخل الحي بكثافة جنونية، وبرز صوت مدفع “الـ 23” بضرباته المدوية والمتلاحقة التي تحول المنطقة الهادئة إلى ساحة حرب حقيقية، وتنفجر الأصوات في آذاننا بعنف يفوق طاقة الاحتمال البشرية، حتى خيل لنا أن السماء قد انطبقت على الأرض في لحظة غضب مدمرة.
■ كان الرصاص المتفجر من فوهة “الـ 23” المتجه نحو السماء يرسم خطوطاً نارية من الموت، والارتجاجات الناجمة عن إطلاق النار بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة جعلت جدران المنازل تهتز بعنف كأنها في زلزال مدمر، والقلوب ترجف تحت وطأة الهلع المفاجئ الذي اجتاح كل ركن في “الصفوة” وأرعب حتى الطيور في أعشاشها، وساد شعور بأن النهاية قد دنت.
■ عاشت “الصفوة” بكاملها فصلاً درامياً من الرعب الخالص، حيث ساد الصراخ المكتوم في البيوت المجاورة، وتوقفت الأنفاس في الصدور، وتساءل كل منا في سره وجوارحه إن كانت هذه اللحظة هي الوداع الأخير في رحلة الحياة المحفوفة بالمخاطر، حيث انعدمت الرؤية تماماً بسبب غبار البارود الكثيف والدخان الأسود الذي غطى سماء المنطقة وحجب ضياء الشمس العليلة.
■ بينما كانت أعيننا معلقة بالسماء نراقب اشتباك الحديد بالهواء، تضاعف الرعب حين سمعنا أزيزاً مختلفاً وحاداً يقترب من رؤوسنا بسرعة فائقة، وكأن الموت قد اختارنا هدفاً مباشراً له في تلك اللحظة التي تجمدت فيها الدماء في عروقنا، وأيقنا أن طلقة طائشة من مضاد الطيران “الـ 23” قد ضلت طريقها وهي الآن في رحلة الوصول الحتمي إلينا حيث نجلس.
■ لم نكد نستوعب الموقف حتى سقطت إحدى طلقات مدفع الـ 23 بدوي هائل بالقرب منا تماماً، ليتطاير الغبار الكثيف والشظايا الحارقة في وجوهنا، معلنةً بداية فصل جديد من المواجهة المباشرة مع الموت.. فكيف نجونا من تلك القذيفة القاتلة التي سقطت على مسافة أمتار قليلة؟ وكيف واجهنا تلك اللحظات الفاصلة بين الحياة والعدم؟ هذا ما سأرويه لكم في الحلقة القادمة.





