علوم

هذا الكويكب يبوح بأسرار أصل الحياة على الأرض

بقايا من اللحظات الأولى لتشكل الكواكب في نظامنا الشمسي

​لقد قدمت مهام “جلب العينات” من الكويكبات بعضًا من أكثر العينات قيمة من الناحية العلمية منذ بعثات “أبولو” القمرية، وهي تُحدث الآن ثورة في عملية البحث عن حياة خارج كوكب الأرض.

​في 24 سبتمبر 2023، أسقطت مهمة “أوسيريس-ريكس” (OSIRIS-REx) كبسولة عيناتها المعبأة بعناية عبر الغلاف الجوي للأرض، لتستقر في أيدي العلماء المنتظرين بشغف.

يبلغ عمر الصخور والغبار المستخرج من كويكب “بينو” حوالي 4.5 مليار سنة.

​إن كويكب “بينو” (Bennu) وحفنة من الكويكبات المماثلة له هي أجرام سماوية قديمة، وهي بقايا من اللحظات الأولى لتشكل الكواكب في نظامنا الشمسي. تحتوي العينة التي أعادتها “أوسيريس-ريكس” على معادن تشكلت في وجود الماء، ومجموعة مذهلة ومتنوعة من المركبات العضوية التي تحتوي على الكربون.

 

​على كوكبنا، تعتبر المواد العضوية هي أساس الحياة، لكنها موجودة في الفضاء أيضًا؛ حيث يجد علماء الفلك وعلماء الكواكب المواد العضوية في كل مكان ينظرون إليه تقريبًا، من سحب الغبار الباردة بين النجوم إلى الأقمار الجليدية والكويكبات مثل “بينو”. لقد كشفت العينات العائدة أن “بينو” يضم “حديقة حيوان” فعلية من المواد العضوية، بما في ذلك الأحماض الأمينية وجزيئات بسيطة أخرى ترتبط معًا في الكائنات الحية لتشكل الآلات البيولوجية المعقدة.

 

​وفي الشهر الماضي فقط، اكتشف العلماء في عينات “بينو” سكريات تلعب أدوارًا حيوية في البيولوجيا. ويرى بعض العلماء أن هذه الأدلة هي إشارة إلى أن المواد الخام للحياة على الأرض ربما سقطت من السماء.

​ليست “أوسيريس-ريكس” هي المهمة الوحيدة لجلب عينات الكويكبات، فقد جاءت في أعقاب جهد ياباني متمثل في مهمة “هايابوسا 2” (Hayabusa2)، التي أعادت 5.4 جرام من الصخور من كويكب قديم آخر يدعى “ريوغو” (Ryugu) في عام 2020. ومن خلال استعادة عينات بكر من هذه “الكبسولات الزمنية الكونية”، يكشف العلماء تفاصيل جديدة حول تاريخ كوكبنا، وحول أين وكيف يمكن أن تكون الحياة قد ظهرت في النظام الشمسي.

كبسولات زمنية كونية
​تأتي بعض أفضل أدلتنا حول الأيام الأولى للنظام الشمسي من النيازك، وهي صخور فضائية سقطت على الأرض. أقل من 5% من النيازك تنتمي إلى فئة خاصة تسمى “الكوندريت الكربوني” (Carbonaceous chondrites)، وهي قديمة قدم النظام الشمسي نفسه تقريبًا. تحتوي هذه النيازك على مياه محبوسة داخل الصخور وجزيئات عضوية متنوعة، من الأحماض الأمينية إلى المكونات البسيطة للحمض النووي (DNA). إن الكوندريت الكربوني يشبه “لقطة شاشة” للعمليات الكيميائية في النظام الشمسي المبكر التي مهدت الطريق لنشوء الحياة.

​يقول عالم الكيمياء الكونية “شوغو تاتشيبانا” من جامعة طوكيو، الذي قاد تحليل العينات لمهمة “هايابوسا 2”: “هذا هو السبب في أننا استخدمنا نيازك الكوندريت كمفتاح لفهم تشكل النظام الشمسي والكواكب، لكن النيازك دائمًا ما تكون عرضة للتلوث الأرضي”.

تُظهر هذه الصورة لحبيبة من مواد كويكب “بينو” (Bennu)، والتي تم التقاطها بواسطة مجهر إلكتروني ماسح، فوهة ناتجة عن اصطدام نيزك دقيق. ويرجح الباحثون أن الكويكب تعرض في مرحلة ما للقصف بواسطة نيازك متناهية الصغر.
مركز جونسون للفضاء (JSC)

​فمن قبل أن تصل إلى المختبرات، تتحمل النيازك سقوطًا ملتهبًا عبر الغلاف الجوي للأرض، وغالبًا ما تقبع على السطح لسنوات أو حتى لآلاف السنين. فتتعرض للعناصر الجوية وللجو الغني بالأكسجين والمتفاعل كيميائيًا. ولأن الأرض رطبة ومليئة بالحياة، فإن التلوث يمثل مشكلة كبيرة، خاصة للعلماء الذين يبحثون عن تلميحات للمياه القديمة أو الجزيئات العضوية.

​مهمات “جلب العينات” تقضي على مشكلة التلوث هذه تمامًا. كما أنها أفضل طريقة للتحقق من دقة طرق التلسكوب التي يستخدمها العلماء لدراسة الملايين من كويكبات النظام الشمسي التي لن نزورها أبدًا بمركبات فضائية.

​ومما يبعث على الاطمئنان أن العينات العائدة من “بينو” و”ريوغو” تشبه إلى حد كبير نيازك الكوندريت الكربوني الأكثر بدائية. لكنها كشفت أيضًا عن الكثير من المفاجآت التي تظهر أهمية الوصول إلى “الحقائق الأرضية” المباشرة.

كيفية بناء “الرخامة الزرقاء”
​رصد العلماء أيضًا معادن في عينات “بينو” و”ريوغو” تحمل أدلة على أحد أكثر الألغاز استعصاءً في علم الكواكب (وهو كيفية تشكل الأرض وتحولها إلى كوكب صالح للحياة).

 

المصدر: ناشيونال جيوغرافيك 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى