أفريقياالأخبارالعالمية

أكاديمي مصري يدوّن قصته مع مرض نادر غير حياته

شيماء عبد الله

أكاديمي مصري يدوّن قصته مع مرض نادر غير حياته

في الحياة نعم كثيرة يألفها أصحابها، ولا يدركون قيمتها حتى تغيب فيشعرون بقسوة الفجيعة؛ الحركات البسيطة، والابتسام، والكلام، والتنفس، وحتى الإشارة؛ كلها نِعم لا تعد ولا تحصى، وتظل عادية ما دامت باقية، فإذا غابت تغيب معها الحياة حتى وإن بقينا على قيدها.

هذا ملخص ما حدث مع تامر الجندي، الأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة، الذي أمضى وقته في البحث وقاعات المحاضرات، وأوقات فراغه بين عائلته وهواياته في السفر والاطلاع؛ حياة كانت عادية لرجل عادي، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن عاديا أبدا.

فجأة، تغير كل شيء، وبدأ فصلٌ جديد في حياة تامر الجندي (41 عاما)، الذي غادرته الصفة الأكاديمية أستاذا مساعدا بكلية العلوم السياسية في جامعة قطر، وصار “حالة” من حالات نادرة تصاب بمرض التصلب الجانبي الضموري (ALS)، وهو مرض متقدم في الجهاز العصبي ويؤثر على الخلايا العصبية في المخ وعلى النخاع الشوكي، مسببا فقدان التحكم في حركة العضلات. إنه “المرض الفتاك”، هكذا يسميه الأطباء لأنه لا مجال للشفاء منه أو معرفة أسبابه، ويقتل كل علامات الحياة في الجسد؛ كالقدرة على الحركة والكلام والأكل والتنفس، كل شيء ينتهي بالتدريج.

ذات يوم من عام 2017، اكتشف الأستاذ الجامعي مرضه بشكل مفاجئ، وبعد فترة طويلة من الفحوص انتهت جميعها إلى أنه لا أمل لديه، وبدأت رحلة جديدة خاضها تامر كإنسان وليس كحالة، ليدوّن خواطره اليومية وتأملاته الإنسانية في صفحته على فيسبوك تحت عنوان “خواطر.. مرضي ALS الذي غير حياتي”.

اكتشاف المرض وبداية الرحلة

ليس من أجل المرض، ولا لتبعاته، تحاور الجزيرة نت تامر الجندي بعد رحلة علاج مستمرة منذ 5 سنوات خاضها الرجل الصابر وصاحب التجربة المختلفة. الحوار نسّق له صديق يعيش كالظل لصديقه، واستبدل فيه تامر لسانه ويديه، بجهاز لوحي يعمل بحركة العين، واستبدلنا في الجزيرة نت سياقات الحوار العادية، ليصبح هذا الحديث غير عادي عن تجربة تستحق أن تروى.

عن اللحظات الفارقة التي فصلت بين حياته وعمله الجامعي وكونه رب أسرة نموذجية، وبين الأعوام التي تلت 2017؛ يقول تامر الجندي “في البداية كنتُ في انتظار الموت، فهو النهاية التي كنت متوقعها وأنتظرها سريعًا لتنهي رحلتي مع الألم، لكن بمرور الوقت استقرّت الأوضاع، ثم بدأت تجربتي مع العلاجات المختلفة، ومعها كانت رحلة صعود وهبوط لا تزال لها بقية حتى الآن”.

في أوائل عام 2019، كان تامر على موعد مع أمل جديد، إذ تمت الموافقة على مشاركته في أول تجربة عيادية للعلاج بالخلايا الجذعية في جامعة كاليفورنيا، وبدأت حالته الصحية تستقر فعلا، لكن سرعان ما انتهى كل شيء بعد أن سيطر كوفيد-19 على العالم، وانتهى الحلم بالإغلاق التام. ومع بداية عام 2022 بدأت مؤشرات الحالة تتأخر بعد فترة إقامة طويلة في المستشفى التي نتج عنها نقص كلي في الكلام، والاعتماد على أجهزة التنفس الاصطناعي ودعم الحياة”.

دكتور تامر الجندي / مصاب بحالة" من حالات نادرة تصاب بمرض التصلب الجانبي الضموري
دكتور تامر الجندي (وسط) والداعية مصطفى حسني (الجزيرة)

“توبي” رفيق الرحلة والمنقذ من الاكتئاب

أُغلقت كل الأبواب في وجه الجندي إلا بابا واحدا، فكانت رحمة الله في هدية أصدقائه، الذين التفوا حول صديقهم بأمل جديد، وكان قادرا على استغلال نقطة الضوء الأخيرة في عينيه؛ “أهداني أصدقاء للعائلة جهازا لوحيا يعمل بتتبع حركة العين، اسمه “توبي” (TOBII)، فعدت من جديد قادرا على التواصل معهم بسهولة نسبيا، وتمكنت من خلاله من متابعة العالم من حولي، ومن ثم كتابة خواطري وتأملاتي”.

الباب الذي انفتح عبر “توبي” لم يكن أملا لتامر وحسب، بل صار بابا مفتوحا على مصراعيه لكل من يريد أن يرى بصيص النور وسط نفق حالك الظلمة. وتحولت مدوّنته الخاصة التي يكتب فيها خواطره ورسائله لعائلته وأطفاله وأصدقائه متنفسا لكثيرين، حتى وصل عدد متابعيه إلى 12 ألف متابع، لم يكن يعرفهم يوما، وصارت تجربته ملهمة لكثيرين.

الزوجة والأصدقاء.. كنز الرحلة

“الكنز في الرحلة”، تنطبق هذه المقولة إلى حد كبير على مجريات تجربة تامر مع مرض التصلب الجانبي الضموري، وتمثل الكنز في أصدقائه، عِشرة العمر التي بدأت منذ سنوات الدراسة الجامعية، وصاروا جنبا إلى جنب؛ أصدقاء فرادى ثم مع عائلاتهم.

يقول تامر للجزيرة نت “أنا محظوظ بأصدقائي ودعمهم لي منذ بداية مرضي، ودعم عائلاتهم لعائلتي، وأطفالهم لأطفالي. لا أتصور كيف سيكون الأمر من دونهم، لولا وجودهم ما كنت أجلس الآن لأدون تأملاتي عبر الإنترنت، أو حتى أجري هذا الحوار”.

لم يكن الأصدقاء فقط هم كنز الرحلة، فالزوجة كذلك كانت الكنز الأكبر، “صديقة” ليست صفة لها بل اسمها الحقيقي، وهو الاسم الذي كان لها نصيب منه. ولحسن طالع زوجها كان ذلك النصيب هائلا، فصدقت في كل حياتها معه، وتحملت أعباء الحياة العادية قبل مرضه وبعده.

عائلة تامر الجندي
عائلة الدكتور تامر الجندي (الجزيرة)

وأضاف “أصبحت شخصا آخر، فتحمّلت تبعات مرضي الذي لم أكن أرغب في أن يراني فيه أحد سواها، وكانت تتحمل انفعالاتي وعصبيتي المفرطة، وحزني المبالغ فيه، كل ذلك مع تحملها بمفردها مسؤولية أطفالنا مع وجود أب يتلاشى”.

كان وجود الجندي بمثابة مساحة أمل لمرضى التصلب الجانبي الضموري، وكان داعما لكثيرين منهم، الذين بادروا إلى التواصل معه عبر صفحته على فيسبوك. وصار “توبي” جهازه اللوحي رفيق الساعات الطويلة التي يمضيها تامر في سريره.

وتابع الجندي “إنه أمر مدهش أن أستطيع التواصل مع العالم في تلك الحالة، وأن أشعر بأنني لا أزال قادرا على العطاء وإلهام الآخرين، وأن هناك على الجانب الآخر من العالم من ينتظرني ليقرأ ما أدونه اليوم، ويسأل عني ويطمئن عليّ إن غبت. كل هذه المشاعر لم أكن لأختبرها لولا وجود “توبي” وأصدقائي. وهذا كله كان فوق أي خيال من الممكن أن أحلم به يوما ما، حتى وأنا في كامل عنفواني لم يكن يدور في بالي سوى طموحي في مهنتي كأستاذ جامعي، لكن الله فتح لي بابا كنت من شدة اليأس أظنه لا يُفتح.

المصدر : الجزيرة

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد
زر الذهاب إلى الأعلى