هل يمكن للأطفال النجاة من انفصال الأب والأم؟

هل يمكن للأطفال النجاة من انفصال الأب والأم؟

“الناس يُنجبون كي تكون عندهم ذريعة للاستسلام للقهر، عندها يصیر بوسعهم أن يقولوا لولا أطفالنا لكنا قد فعلنا كذا وكذا”.

(أحمد خالد توفيق، قصاصات قابلة للحرق)

في بعض الأحيان، يكون الطلاق النهاية الوحيدة المنطقية لعلاقة زوجية مؤلمة، وطوقَ نجاةٍ أخيرا لأحد الزوجين أو كليهما. لكنه يظل حلا صعبا يتردد الكثير من الأزواج عند اللجوء إليه، خوفا من تأثير الطلاق على الأبناء، ما يجعلهم يُفضِّلون استقرارا زائفا في زواج تعيس أكثر من نهاية مؤلمة صادمة للأطفال.

 

وسواء جاء الطلاق ليضع حدًّا لرحلة طويلة من الخلافات والنزاعات، أو جاء مفاجئا، فإنه يُشكِّل خسارة كبيرة للأبناء، خاصة مع الضغوط الناتجة عن التغيرات المصاحبة له، حيث يفقد الأبناء عادة إمكانية التواصل اليومي مع أحد الوالدين مما يؤثر على ارتباطهم به. من ناحية أخرى، قد يعاني الطرف الحاضن للأبناء من ضغوط أكبر، ويجد صعوبات في الموازنة بين الضغوط والعمل ومسؤوليات الأبناء الإضافية، وهو ما قد يؤثر على قدرته على دعمهم. هذا بالإضافة إلى التغيرات الأخرى كتغيير المسكن وأحيانا المدرسة، كما تصاحب الطلاق عادة صعوبات مادية قد تؤدي إلى العيش في مستوى مادي أقل من المعتاد، وكل هذه التغيرات من الطبيعي أن تُحمِّل الأبناء ضغوطا حادة.

 

لكن عموما، تختلف ردود أفعال الأبناء بحسب مراحلهم العمرية، حيث يعاني الأطفال من عمر الثانية وحتى مرحلة ما قبل المدرسة من اضطرابات النوم واضطرابات التعلق وقلق الانفصال، وقد يعاني بعضهم نوعا من النكوص فتتدهور مهارات استخدام المرحاض لديهم، أو ينتكسون نحو سلوكيات طفولية لم تكن ظاهرة من قبل مثل مص الإبهام.

 

لا تقف الأمور عند هذا الحد، حيث يسيطر على الكثير من الأطفال في عمر المدرسة الشعور بالذنب ولوم الذات، وقد يتوهم بعض الأطفال أنهم السبب في الطلاق بسبب خطأ ارتكبوه أو سوء سلوك قد بدر منهم. وتنتاب بعضهم مخاوف غير منطقية (رهاب)، ويميل الأطفال الأكبر سِنًّا إلى التعبير عن مشاعر الغضب وتوجيه اللوم إلى أحد الطرفين أو كليهما. أما في عمر المراهقة فقد تتراوح التأثيرات السلبية بين الاكتئاب الحاد والسلوكيات العدوانية والأفكار الانتحارية.

 

ورغم كل الآثار السلبية للطلاق فإنه في بعض الأحيان قد يأتي بنهاية للخلافات والنزاعات الزوجية، أو على الأقل يجعلها تتقلص مما يجعل آثاره السلبية أخف من آثار النزاعات الزوجية اليومية التي يشهدها الأبناء في ظل زواج فاشل. ورغم كل ما يحمله الطلاق من مشاعر الغضب والقلق والصدمة، وما يُشكِّله من خسارة كبيرة للأبناء، فإنه صدمة يمكن التعافي منها والمرور بأمان وبأقل قدر من الخسائر. (1)

 

في سبيل التعافي

انفصال الآباء

في عام 1972، أطلقت إ.مافيس هيذرنغتون، أستاذة علم النفس في جامعة فيرجينيا، مشروعا بحثيا شمل 3 دراسات مطوَّلة امتدت على مدار 25 عاما لاستكشاف مسارات الأسرة بعد الطلاق ودراسة آثاره الممتدة على الأطفال، وشمل البحث أكثر من 140 أسرة. استخدم الفريق البحثي الأدوات المعيارية مثل الاستبانات والاختبارات بالإضافة إلى الملاحظة اللصيقة للأبناء أثناء حياتهم اليومية في منازلهم، وكذلك في الملاعب والمدارس.

 

وقد خلصت هيذرنغتون إلى أن نحو 20-25% من الأبناء الراشدين الذين انفصل آباؤهم بالطلاق تعرضوا لمشكلات عاطفية وسلوكية واجتماعية خطيرة مقارنة بـ10% من الأبناء الذين استمرت زيجات آبائهم. وعلى الرغم من أن الكثير من الأبناء قد يواجهون ضغوطا وتأثيرات سلبية من بينها مشاعر الغضب والقلق والغضب والصدمة، وقد يعانون من مشكلات في العلاقات الأسرية والتكيُّف، فإن أغلب هذه التأثيرات طبقا لهيذرنغتون تتقلص وقد تختفي بنهاية السنة الثانية من الانفصال، وقلة قليلة من الأبناء مَن يعانون من مشكلات تستمر على المدى البعيد.(2)

 

وفي استعراض كمي للدراسات السابقة، قام أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنسلفانيا ستيت بول ر. أماتو عام 2001 بدراسة آثار الطلاق المحتملة على الأطفال، وعقد دراسات مقارنة بين الأطفال الذين تعرَّض آباؤهم للطلاق وآخرين في أسر مستقرة مع إجراء تقييم لتحصيلهم الدراسي ومشكلاتهم السلوكية والوجدانية والاجتماعية، وقد خلصت النتائج أيضا إلى وجود فروق طفيفة، وهو ما يشير إلى أن غالبية الأطفال يتمكَّنون من تخطي أزمة الطلاق. لكنه وجد أن ارتفاع معدلات النزاع بين الأبوين خلال الطلاق وبعده يرتبط طرديا بضعف القدرة على التكيُّف لدى الأطفال. (3)

 

ويحدث التكيُّف عبر عدة مراحل: المرحلة الحادة؛ وهي المرحلة التي يقرر فيها الوالدان الطلاق، وقد تبدأ قبل حدوث الطلاق الفعلي بفترة، وفي هذه المرحلة غالبا ما يكون الاضطراب في أقصى درجاته، ثم تأتي المرحلة الانتقالية بعد حدوث الطلاق الفعلي وتكيُّف الطفل مع العلاقة بين الوالدين، ومواعيد الزيارة مع الوالد غير الوصي، وقد تستمر هذه المرحلة نحو عامين حتى المرحلة الثالثة، وهي المرحلة التي يُنتظر أن يحدث فيها نوع من الاستقرار.

 

إذن، قد يتمكَّن أبناؤكما من عبور الأزمة بسلام، من الطبيعي أن يشعر الأبناء بالحزن والخسارة، وكلها مشاعر وأفعال طبيعية لخسارة الاستقرار العائلي، لكن هناك بعض العوامل التي من شأنها أن تخفف من حِدَّة المشكلات التي يتعرضون لها، وتساعدهم على التكيُّف بشكل أسرع، بحيث تصبح التجربة أقل إيلاما.

 

  • أبناؤك أولا

أبناؤك أولا

قد يكون وجه شريكك السابق هو آخر وجه في العالم تود رؤيته. ربما مررت بتجربة زواج قاسية، أو علاقة مسيئة، أو خيانة زوجية، أو تعنيف، إلى آخر قائمة الأذى الممتدة، لكن للأسف رغم الطلاق سيبقى الأطفال خيطا يربطك بالطرف الآخر، ويعني هذا أن تتغاضى قليلا عن مشاعرك من أجل أبنائك، بحيث تجعل احتياجاتهم أولوية. فكِّر في مستقبلك ومستقبل أبنائك. رغم أن الطلاق قد يكون صعبا، وقد يجعله البعض معركة ضارية تستنزف طاقة الشريك الآخر، فإنه في كل الأحوال مرحلة ستصل إلى نهايتها سواء طالت أو قصرت، حيث تتمكن من الحصول على استقلاليتك والتعافي من التجربة المؤلمة. تذكَّر دائما أهدافك بعيدة المدى كي تتمكَّن من تجنُّب الاستنزاف في معارك التفاصيل الجانبية واليومية.

 

  • “لا تنسوا الفضل بينكم”

اسعَ إلى بناء علاقة ودية مع الشريك السابق يُظلِّلها الاحترام والمودة. إذا لم تتمكن من الحديث عنه بلُطف فاختر الصمت، واحتفظ بآرائك السلبية عنه لنفسك، أو فضفض بها مع أقاربك أو أصدقائك أو حتى المحامي أو الطبيب النفسي، لكن لا تشكُ لأبنائك أبدا.

 

يقع الكثير من الآباء والأمهات في فخ استغلال الأطفال للانتقام من الطرف الآخر بدافع الغضب أو الشعور بالمظلومية، فيُشركون الطفل في الخلافات، أو يُشعرونه أن عليه الاختيار بين أحد الوالدين، أو يمنعونه من مقابلة الطرف الآخر للضغط عليه في اتفاقيات الطلاق. سواء كنت ظالما أو مظلوما، إذا استغللت طفلك بهذا الشكل فسوف يكون هو الخاسر الوحيد.

 

  • الحد من التغييرات والتمهيد لها

من الأفضل أن تُمهِّد للطفل قبل عدة أسابيع

إذا لم يقع الطلاق فجأة فمن الأفضل أن تُمهِّد للطفل قبل عدة أسابيع، وحبذا لو تم ذلك في وجود الأبوين معا لإعطاء الطفل انطباعا عن ودية العلاقة بينهما. أخبر الطفل بالتغيرات المتوقعة في الفترة القادمة، سواء رحيل أحد الوالدين من المنزل، أو تغيير الطفل لمسكنه أو مدرسته، أو غير ذلك. ومع زحام التغيرات الكاسحة في حياته، حاوِل أن توفر له بعض الاستقرار بوضع روتين وعادات ثابتة لحياته اليومية في منزل كلٍّ من الأب والأم لمنحه الشعور ببعض الأمان.

 

  • أنقذ نفسك أولا

مع الأسف، نتيجة لضغوط الطلاق والنزاعات التالية له التي قد يصل بعضها إلى القضاء، عادة ما يشعر الأبوان بالاستنزاف، وقد يعاني أحدهما أو كلاهما من الاكتئاب والقلق، وأحيانا يمتد التأثير إلى مشكلات بدنية وعقلية، مما يؤثر على قدرتهما على دعم الأبناء في وقت هم في أمس الحاجة فيه إلى الدعم.

 

هل تتذكر إرشادات السلامة في الطائرة؟ ضع قناع الأكسجين على وجهك أولا قبل أن تساعد مَن إلى جوارك. إذا لم تتمكَّن من العناية بنفسك فلن تتمكَّن من مساعدة أبنائك على النجاة. واحرص على أن تمضي حياتك بوتيرة أقرب إلى الطبيعية، مارِس أنشطتك المعتادة، سواء في العمل أو مقابلة الأصدقاء، أو مارِس الهوايات، بحيث يرى الطفل كيف يتمكَّن والداه من الحفاظ على حياة سوية رغم كل الصعوبات.

 

  • كُن حاضرا

قد لا تملك حلا لمشكلات طفلك، فما وقع قد وقع، ولا سبيل إلى العودة، لكنه يحتاج إلى أن تستمع له، وأن تعترف بمشاعره وتُقِرَّها بدلا من تجاهلها. إذا وجد صعوبة في التعبير عن مشاعره، فساعِده في إيجاد الألفاظ والتعبير بصدق عما يعتمل بداخله، وشجِّعه على مشاركة مشاعره. سيساعد ذلك على تقليل توتره وبناء مساحة متجددة من الثقة بينكما.

 

تذكَّر أن هذا الحديث ليس حديثا تُجريه مرة في العمر، وإنما عملية مستمرة، فمع تقدُّم الأبناء في العمر تتغير أسئلتهم ومشاعرهم وقد يرغبون في الحديث عن الأمر مرارا وتكرارا، لا تمل من الحديث. أكِّد لأبنائك كذلك أنهم ليسوا سببا في الطلاق، فكثيرا ما يعاني الأبناء في أعمار مختلفة وخاصة في عمر الطفولة من الشعور بالذنب وأنهم كانوا سببا في الطلاق، وقد لا يُعبِّرون عن هذا الشعور. تحتاج إلى أن تؤكد لهم أن خلافاتك الزوجية لا شأن لها بهم.

 

أكِّد استمرارك في حب أبنائك، يشعر بعض الأطفال بالقلق من أن يتوقف الأبوان عن حبهم كما توقفا عن حب بعضهما، أكِّد لأبنائك أنكما سوف تستمران في حبهم حتى لو لم تعيشوا جميعا تحت سقف واحد. (4)

 

  • علامات الخطر

هناك بعض العلامات التي يعني ظهورها أو استمرارها لفترة طويلة احتياج الأبناء إلى دعم نفسي متخصص

من المعتاد أن تتحسَّن الأمور بعد عدة أشهر من الطلاق، لكن هناك بعض العلامات التي يعني ظهورها أو استمرارها لفترة طويلة احتياج الأبناء إلى دعم نفسي متخصص، مثل استمرار مشكلات النوم، وضعف التركيز، وانخفاض الأداء الدراسي، وإيذاء الذات، واضطرابات الشهية، والانسحاب الاجتماعي، وكذلك نوبات الغضب المتكررة، وتعاطي المخدرات أو الكحول. توفر العديد من الدول العربية والأجنبية خدمات حكومية للدعم النفسي للأطفال. كما يمكنك اللجوء إلى الدعم النفسي في المدرسة إذا كان متوافرا. (5) (6)

 

ربما يكون الطلاق نهاية العالم كما اعتدت أن تعرفه، لكنه من ناحية أخرى قد يكون بداية لرحلة جديدة للتعافي والنجاة لك ولأبنائك معك.

——————————————————————–

المصادر:

1-الطلاق والأطفال

2-Long-Term Effects of Divorce and Remarriage on the Adjustment of Children

3- The Consequences of Divorce for Adults and Children: An Update

When Parents Split Up, What’s a Pediatrician to Do?4-

5-The Psychological Effects of Divorce on Children Take steps to help kids bounce back faster

6- The impact of family structure on the health of children: Effects of divorce

المصدر : الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى