مقالات

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..الأرض: موارد من غير حدود

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..الأرض: موارد من غير حدود

 

 

منذ بدايات الفلسفة الاقتصادية في الغرب، تشكّلت مدرسة فكرية مركزية تؤمن بأنّ موارد الأرض محدودة بطبيعتها، وأن الإنسان أكبر من طاقتها، وأنّ الزيادة السكانية أو التوسع الاقتصادي لا بدّ أن يقودا إلى صدام مع هذه الندرة، فتقع المجاعات والأزمات والانهيارات. ولم تنشأ هذه المدرسة مع مالتوس وحده، بل سبقه في ذلك كثير من مفكري أوروبا الذين رأوا الكون خزانًا مغلقًا لا يملك إلا كمية ثابتة من الموارد، وأن أي زيادة في عدد البشر أو حجم النشاط الاقتصادي ستضغط هذا الخزان حتى يفرغ. ومع الزمن تطوّرت هذه الرؤية حتى غدت أحد الأسس الفلسفية للاقتصاد الغربي الحديث.

ثم جاء توماس روبرت مالتوس في نهاية القرن الثامن عشر ليقدّم الصياغة الأكثر تأثيرًا ومباشرة لفكرة الندرة. فقد بنى أطروحته الشهيرة على أن السكان ينمون بمتوالية هندسية بينما ينمو الغذاء بمتوالية حسابية، وأن هذا الاختلال لا محالة مؤدٍّ إلى الفقر والمجاعة والصراع، وأنّ الطبيعة بوصفها محدودة الموارد ستتدخل لإعادة التوازن عبر الحروب والأوبئة والمجاعات. ورأى مالتوس أن الحل في الحدّ من الإنجاب وتأخير الزواج وترك “القوى الطبيعية” تعمل بطريقتها القاسية عند الضرورة. وانتشرت هذه الفكرة انتشارًا واسعًا، وأصبحت أساسًا لتيارات عديدة في القرنين

التاسع عشر والعشرين حذّرت من الانفجار السكاني ومن نهاية الموارد، مثل تقرير نادي روما “حدود النمو”، وكتابات بول إيرليش في “قنبلة السكان”، والمدارس البيئية المتشددة التي رأت أن التنمية نفسها خطر لأنها تستنزف موارد ثابتة لا يمكن تعويضها.
هذا التيار الفكري — من مالتوس إلى منظّري البيئة المعاصرين — يقوم على الإيمان بأن الأرض مغلقة، وأن الطبيعة محدودة، وأن الإنسان مشروع خطر إذا تكاثر أو وسّع نشاطه الإنتاجي. ورغم التطور العلمي الهائل، بقيت هذه المدرسة حاضرة في السياسات الدولية، وحاضرة في كثير من التوجهات السكانية والبيئية الحديثة.

لكن في مقابل هذه الرؤية القائمة على الخوف والحدّ والتشاؤم، يأتي التصوّر الإسلامي ليقدّم رؤية كونية مغايرة جذريًا: رؤية تؤمن بأنّ الأرض وفيرة، وأنّ الموارد قابلة للزيادة، وأنّ الله قد أودع في الكون من الأقوات ما يكفي سكانه إلى قيام الساعة، وأنّ المشكلة ليست في ضيق خلق الله، بل في فساد الإنسان وسوء إدارته. فالآية المحكمة: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} تقرّر قانونًا كونيًا ينسف فلسفة الندرة من أساسها؛ إذ تؤكد أن الأرزاق قُدِّرت في الأرض قبل وجود الإنسان عليها تقديرًا محكمًا موزونًا.

ولا يُقصد بوفرة الموارد نفيُ الحدود الفيزيائية للمادة، وإنما نفيُ حتمية الندرة الاقتصادية، والتأكيد على أن الأقوات التي قدّرها الله في الأرض كفايةً وعددًا قابلةٌ للتكثير بالعلم والعمل والعدل، لا محكومةٌ بالثبات والعجز كما تفترض فلسفات الخوف.
ويأتي القرآن ليؤكد أن الرزق مضمون من الله، لا تحكمه أهواء البشر ولا تقلّبات الأسواق، فيقول: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، ويقول: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}، وهي آيات تقطع بأنّ الرزق ليس تابعًا لعدد

السكان، ولا تحكمه الأرقام، بل هو جزء من نظام كوني مُقدّر وسابق، لا يمكن أن يضيق إلا إذا ضيّقه الإنسان على نفسه.
ولا يرى الإسلام الإنسان عبئًا على الأرض، بل يراه موردًا ومحلًّا للاستخلاف، ومحورًا للعمران، وعقلاً منتجًا قادرًا على مضاعفة الموارد بما أودعه الله فيه من علم وقدرة وتطوير. ويقول تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، أي طلب منكم إعمارها، وفتح أمامكم أبواب العمل والإنتاج والتنقيب وإحياء الموات واستخراج الكنوز واستخدام العقل والمهارة. فجاءت السنن القرآنية تربط بين البركة والعمل، وبين وفرة الأرزاق وإقامة القيم، فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ

السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}، وهي آية محورية تبين أن البركة — أي زيادة الإنتاج أضعافًا — سنّة موعودة لمن فعّل قيم العدل والعمل والصدق، لا لمن جلس ينتظر موارد ثابتة لا تتغير.
ويؤكد القرآن أن العمل هو الطريق إلى استخراج هذه الأرزاق، فالسماء لا تمطر خبزًا، بل تمطر فرصًا، ومن السنن المحكمة قوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}، وهو إعلان أنّ الرزق موجود، لكنه لا ينكشف إلا بالسعي. ويقول تعالى: {لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}، لتكتمل دائرة التصور الإسلامي: رزق مضمون من الله، قابل للازدياد بالعمل، ممتد بالبركة، لا يقف عند حد إلا حدّ كسل الإنسان أو ظلمه.

كما يربط القرآن الفقر والخراب بالظلم والفساد وسوء التوزيع، لا بنقص الموارد. فالأرض لا تضيق بأهلها، وإنما يضيق بعضها على بعض بظلم البشر وإفسادهم وتعطيلهم لسنن الإنتاج والعدل. يقول تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}، ويقول في ذمّ احتكار الثروة: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}. فالفقر يولده الظلم، ويعمّقه الاحتكار، وتفاقمه الإدارة السيئة، ولا علاقة له بكثرة السكان ولا بضيق في الأرض، لأن الله قد ضمن رزق كل دابة، وفتح أبواب البركة لمن يسعى ويعدل.

والمثير أنّ العلم الحديث قد جاء ليؤكد ما قرّره القرآن قبل أربعة عشر قرنًا. فالثورة الزراعية في القرن العشرين ضاعفت إنتاج الغذاء عشرات المرات. و جعلت النبات أقوى وأكثر إنتاجًا. والزراعة الحديثة، والري المحوري، والبيوت المحمية، والزراعة الرأسية، أنتجت من الفدان الواحد ما لم يكن يُتخيَّل.
وتشير تقديرات دولية متعددة إلى أن الإنتاج الغذائي العالمي الحالي يفوق الحاجة الفعلية للسكان بمراحل، غير أن الخلل يكمن في الهدر وسوء التوزيع وتعطّل مساحات واسعة من الأراضي الصالحة، لا في قصور الأرض عن العطاء.

وهكذا يتبين أن الفارق بين مدرسة الندرة والتصور الإسلامي ليس مجرد اختلاف اقتصادي، بل اختلاف في النظرة إلى الكون والإنسان والحياة. فمدرسة الندرة ترى الكون مغلقًا، والإسلام يراه مفتوحًا. مدرسة الندرة ترى الإنسان عبئًا، والإسلام يراه ثروة. مدرسة الندرة تلوم الخلق، والإسلام يلوم الفساد. مدرسة الندرة تخاف المستقبل، والإسلام يصنعه، ويقول فيه: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}. وبينما يقول المناصرون لفلسفة الندرة: “قلّلوا عددكم كي تكفيكم الأرض”، يقول القرآن: اعملوا وعدّلوا وازرعوا وعمّروا، فالأرض واسعة، والرزق مضمون، والبركة ممكنة، والمشكلة ليست في عطائه سبحانه بل في إدارة الإنسان.

إنها بالفعل الأرض: موارد من غير حدود؛ لا يضيق فيها الرزق، ولا يختنق فيها العمران، وإنما يضيق الإنسان حين يضيّق على نفسه بسوء النظر وسوء الإدارة، ويحرم نفسه من وفرةٍ أذن الله بها منذ أن قال: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا}، ووعد فقال: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}، وطمأن بقوله: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى